واقع الديمقراطية الأمريكية وزيف النظام الديمقراطي للولايات المتحدة

بعد الهجوم على الكونغرس الأمريكي من قبل أنصار ترامب الذي شكّك في الانتخابات الأخيرة ونال من نزاهة العملية الانتخابية برمتها، وبعد الشروع في محاكمته كما محاولة إعفائه من رئاسة البلاد، وبعد الانقسام الحاد الحاصل في التركيبة المجتمعية للشعب الأمريكي، وبعد مظاهر العنف التي طفت وبرزت كظاهرة سياسية بعدما كانت ظاهرة اجتماعية بين جنبات المجتمع الأمريكي ورمت به في أتون الاستقطاب السياسي المقيت.

 

يجدر بنا أن نتساءل عن مستقبل النظام الديمقراطي الأمريكي؟..ومستقبل الديمقراطية في أمريكا؟ ..وهل كان لهذا النظام مقومات و ومتطلبات الصمود والبقاء؟.

 

و باختصار هل كان حقا نظاما ديمقراطيا متأصلا وثابتا يمكن الاقتداء والاحتذاء به؟؟؟!. للإجابة على هذه الأسئلة يحق لنا أن نقيّم هذا النظام من منطلق الممارسة والوقائع ومدى تأصّل الجذور التاريخية والمقومات الفلسفية والنظرية والمرجعية للفكر الديمقراطي لدى الآباء المؤسسين ولدى الساسة الحاكمين على مرّ التاريخ المعاصر.

 

دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على خرق المعاهدات الدولية في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية التسع المشكّلة لهذه الحقوق كالاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛ وكذلك اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة واتفاقية حقوق الطفل كما الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم وأيضا اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

 

كما دأبت على انتهاك القانون الإنساني  الدولي وقواعده وصكوكه الأساسية العرفية والمكتوبة التي تهدف إلى حماية المحاربين والمدنيين، أثناء النزاعات المسلحة ومنها إعلان سان بترسبورغ وإعلان “لاهاي” واتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الملحقة واتفاقية الأمم المتحدة بشأن حظر وتقليص بعض الأسلحة التقليدية.

 

كما نكثت عهودها في مجال الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأجهزته الرئيسية من جمعية عامة ومجلس أمن ومجلس اقتصادي واجتماعي ومجلس وصاية ومحكمة العدل الدولية ومؤسسة الأمانة العامة للأمم المتحدة وأمينها العام.

 

كما لم تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية مطلقا بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة في10 كانون الأول/ ديسمبر 1948 بباريس بموجب القرار رقم217

 

وسنأتي في هذا المقال على عرض عموميات حول الحيثيات والأحداث والوقائع التي قامت الولايات المتحدة الأمريكية فيها بخرق كل ما تم ذكره آنفا وحللنا في هذا المقال المنطلقات الفلسفة والإيديولوجية والتاريخية التي قامت عليها الولايات المتحدة الأمريكية وكانت قاعدة مرجعية لاجتراحها لكل الجرائم التي قامت بها طيلة قرن من الزمن وهو الإطار الزمني لهذا المقال التي وضعنا له عناوين وأبواب أحاط بموضوعاته المختارة :

الخلفية الفكرية والتاريخية والأيديولوجية والسياسية  للعنجهية الأمريكية وعدم احترامها للمواثيق الدولية

منذ احتل الآباء البيض أرض الهنود الحمر وأرض الأفارقة “العبيد” باحثين عن الذهب والنفوذ كان يسري في عقول وقلوب هؤلاء نبض اغتصاب الأراضي والإغارة على الممتلكات واستعمال كل الأشكال التي تمكّنهم من الاستحواذ على المدخرات النفيسة والذهب وخاصة بعد ما طوّروا صناعة البارود الذي يسهل معه الفتك بكل من يبدي احتجاجا أو مقاومة وبرّروا بذلك القتل وإبادة البشر واستعبادهم وهم الذين ملكوا أسباب القوة ووسائل الغلبة السهلة.

 

وكان لفلاسفتهم وسياسييهم الدور الفعّال في التنظير لاستباحة واجتراح الجرائم كلها خاصة بعد أن أقنعوا العامة و الخاصة والجند أنهم شعب مختار ومتفوّق في جنسه البشري وفي مستوى ما بلغه من تفوق تكنولوجي كبير وهو ما صوّغ لهم استعباد بقية الخلق كما أعطاهم الحق المطلق في اغتصاب خيراتهم وأراضيهم وممتلكاتهم وحتى نسائهم حين سمحت لهم الظروف والفرص.

 

وكان لغريزة حب الامتلاك وشهوة جشع التوسع دعامة في تأصيل هذه الفلسفة وتحويلها إلى عقيدة في حالة فعالية اجتماعية لا تعمل إلا لتحقيق المصلحة الخاصة وتنتهج لذلك كل السبل و الوسائل لتحقيق هذه المصلحة وهذه الغايات بأية طرق ومهما كانت الويلات التي تلحق بالبشرية وهو ما صبغها بالصبغة الايدولوجية المقيتة.

 

وإذا أضفنا لكل ذلك تمكّنهم من القوة التكنولوجية التي أشعرتهم بالقدرة المتناهية لفعل ما تشتهيه وتهواه غريزتهم البشرية غير الإنسانية نصل إلى عمق التأصيل الفلسفي والتاريخي للعنجهية الأمريكية المتأصّلة في الأعماق والتاريخ الملتبسة بالشرّ، خاصة زمن انحسار وانحراف دور الكنيسة وإرادة التحرر والانفلات الأعمى من رقبة القيم والايتيقيا والدين، وقد رسخت مواقف الفلاسفة والسياسيين والمنظّرين هذه الروح وهذه الفلسفة عموديّا وأفقيّا ومن خلالها استطاعوا تبرير احتلال الشعوب واغتصاب أراضيهم واستعباد البشر والإمعان في قتلهم وإبادتهم وهم الذين أسّسوا  ولاياتهم المتحدة على أساس المَنَعَةْ التي ترتكز على أنقاض الجماجم والدماء والتخريب والقتل والبقاء للأقوى.

 واقع الانتهاكات و الجرائم الجسيمة المجترحة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية

إذا عددنا أهم الانتهاكات التي قام بها الرجل الأبيض الأمريكي والإدارة الأمريكية طيلة قرن من الزمن فيمكن تلخيصها في:

  • جرائم الإبادة الجماعية

أرادت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال قيامها بعديد جرائم الإبادة الجماعية ضد مجموعات بشرية مدنية ومسالمة أن تؤكد عنجهيتها المطلقة وعدم التزامها بأي ضوابط إنسانية أو قانونية أو حقوقية كإشارة لاثبات القوة وعدم قدرة أي طرف في العالم على محاسبتها باعتبارها تتحوّز على حق الفيتو الذي يُفلتها من العقاب، وأسست لذلك برامج متعددة ومنها على سبيل الذكر لا الحصر برنامج  “فينيكس” الذي أنشأته بعد فشل الأمريكان في تحقيق الانتصار على المقاومة الفيتنامية، وقد قامت بعديد جرائم الإبادة الجماعية لمجموعات كبيرة من البشر في عديد الدول وفي مناسبات متكررة وذلك لعدم تفعيل آلية محكمة العدل الدولية التي بمقتضى قانونها يمكن للولايات المتحدة الأمريكية استعمال حق الفيتو بشأن قراراتها وذلك من أجل الإفلات من أي شكل من أشكال العقاب، وحتى لما عزم المنظمة الدولية إنشاء آلية إضافية يمكنها محاسبة الأفراد والمجموعات والدول ممثلة في نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية تُرِكَ أمر الانخراط فيها اختيارية وبذلك لم تصدّق أمريكا على آلية هذه المحكمة من أجل التملّص من المسؤولية والإفلات من العقاب.

 

ولو عدّدنا جرائم الولايات المتحدة الأمريكية في موضوع الإبادة الجماعية التي قامت بها لشابت لذلك الرؤوس ولأنفطر الوجدان.

 

  • انتهاكات ضد الإنسانية

 

دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على مراكمة جرائمها التي قامت بها ضد الإنسانية فقتلت وعذبت واغتصبت واغتالت وأخفت قسريا عديد المواطنين في دول كثيرة وهي بذلك تُعدّ من الدول المارقة التي انتهكت القانون الدولي لحقوق الإنسان وكل الاتفاقيات الدولية وامتهنت كرامة العديد من البشر واعتدت على حقهم في الحياة وعلى أجسادهم وذواتهم وكان لتقييم  المنظمات الدولية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة طيلة عقود طويلة من الزمن مثل هذا الانطباع وهذا التقييم والتشخيص.

 

ولو تناولنا مثل هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بشكل تفصيلي وسردي عمّا اجترحته الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإنسانية وضد المواطنين و الشعوب لاعتصر القلب ألما ودما.

 

  • جرائم العدوان

 

قامت الولايات المتحدة الأمريكية التي رشّحت نفسها شرطيا أوحدا في العالم طيلة قرن من الزمن بعديد جرائم العدوان حيث اجتاحت بجنودها دولا عدة واعتدت على حرمة بلدان متعددة وشعوب كثيرة وكانت بغاية إخضاع أنظمة لإرادتها أو قمع انتفاضة شعبية انفجرت ضد حكام موالين لها أو لإجهاض ثورات حدثت في هذه البلدان وكذا لإسقاط أنظمة لم تذعن لإرادة الرجل الأبيض الأمريكي وعنجهيته أو تمردت على قراراته كما قامت بأكثر من عدوان من أجل غزو بلدان تم تلفيق اتهامات مفتعلة ضدّها أو لقتل مجموعات أضحت تمثل خطرا عليها أو على حلفائها، أو لاستخلاص ديونها بالقوة من أنظمة أبدت تمردا أو عجزا عن خلاص متخلدات بذمتها المالية وهناك شماعات كثيرة بررت بها الولايات المتحدة الأمريكية عدوانها وكانت كلها خاوية وغير جديّة وكاذبة،وقد برّرت الولايات المتحدة الأمريكية قتل الناس بشكل عشوائي والاعتداء على سيادة البلدان واحتلال الدول وإخضاع الشعوب وغزوها والتنكيل بمواطني هذه البلدان وافتكاك خيراتها وقتل متمرديها أو جيوشها بشتّى الإدعاءات.

 

وقد خلّفت جريمة العدوان عديد المآسي المتواصلة التي أصابت ملايين البشر و نتائج مأساوية لا يقدر على استعابها العقل البشري، وهي بذلك تعدّت على القانون الدولي الإنساني الذي يضبط الحدود و القواعد الدنيا التي لا يجب خرقها زمن الحروب.

جرائم الحرب واستعمال الأسلحة المحرمة وبيعها بشكل سرّي وإذكاء الصراعات لتنشيط تجارتهم في هذا المجال

خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حروبا عدة ضدّ بعض الدول والمجموعات وقد انتهكت فيها القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة واستعملت فيها أسلحة محرمة كانت سببا في القضاء على ملايين البشر ولم تترك سلاحاً محرماً دولياً إلا واستخدمته من هيروشيما وناكازاكي إلى فييتنام والصومال وأوغندا وأفغانستان والعراق وليبيا واليمن وسوريا وهو ما دفع البرلمان الروسي إلى إحالة هذا الملف على المنظمات الدولية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وفي ما يخص استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لقنابل الفوسفور الأبيض عدة مرات في سورية فهو يستحق التحقيق والمحاسبة وكان استخدام السلاح الكيميائي من طرف أمريكا من أكثر استخدامات الأسلحة غير التقليدية كما أمعن الأمريكيون في استخدام مجموعة متنوعة من الأسلحة المحظورة، بما في ذلك أسلحة الليزر والقنابل الصوتية وقنابل اليورانيوم كما اختبار ما سموه “أم القنابل” في أفغانستان سنة 2017 والذي يعدّ انتهاكاً صارخاً للقواعد الدولية في مجال استخدام الأسلحة غير التقليدية، وهم بصدد التنسيق مع بعض دول الخليج لتمكينها من مختبرات لتصنيع اليورانيوم المخصب عالي التخصيب قصد امتلاك سلاح نووي رادع لايران كما يزعمون.

 

ورغم خطورة استعمال الأسلحة المحظورة  دوليا والتي أجمع العالم على تحريمها منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ورغم إمضاء أمريكا على الاتفاقيات والبروتوكولات التي تمنع بيع الأسلحة المحرمة سواء التقليدية أو غير التقليدية وحظر استعمالها وأهمها الأسلحة السامة والكيميائية والأسلحة البيولوجية والأسلحة الذرية والمشعة والنيوترونية والعنقودية وغيرها ، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية بقيت تقوم ببيع الأسلحة المحظورة  لحلفائها سرّيّا وقد ثبت ذلك في عديد الحوادث التي حصل فيها استعمال مثل هذه الأسلحة والتي مصدرها أمريكا ومنها استعمال صدام لها خلال حرب الخليج الأولى التي خاضها ضد إيران خلال معركة استرجاع الفاو من أبريل – إلى يوليو  1988 وسميت “عمليات توكلنا على الله”.

استعمال ذات السلاح في الهجوم على حلبجة يوم الجمعة من شهر يونيه / حزيران 1988 والذي أودى بآلاف الضحايا.

وقد تأكد استعمال قذائف دخانية بيضاء محرمة دوليا في الحرب على العراق من طرف التحالف الدولي والتي تأكد فيها بما لا يدع مجالا للشك  قيام الولايات المتحدة الأمريكية ببيع مثل هذه الأسلحة المحظورة إلى إحدى الدول المعتدية أو استعمالها هي بذاتها في حادثة الفلوجة عام 2004، ولا ننسى اتهام الخارجية الروسية للولايات المتحدة الأمريكية بانتهاك معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى واتفاقات أخرى متعلقة بالحد من التسلح، مثل معاهدة الحد من الانتشار النووي.

 

نشير إلى أن الحوادث التي تأكد فيها بيع الولايات المتحدة الأمريكية لأسلحة محظورة لحلفائها هي متعددة وكثيرة ومنها التي تم فيها إجراء تحقيق دولي ومنها ما بقي طي الكتمان وقد أودى بيع هذه الأسلحة المحظورة بحياة بآلاف الضحايا وتتحمل مسؤوليته بدرجة أولى السلطات الأمريكية.

 

  • إنشاء المجموعات المسلحة و دعم الإرهاب:

 

حين اشتد الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية من جهة الانتقادات التي تعرضت لها من طرف الأقطاب الموازية لها في العالم والتي حاصرت نفوذها وعنجهيتها المتنامية عمدت أمريكا إلى إنشاء مجموعات مسلحة أو إرهابية للقيام بأدوار العرّاب والمرتزق الذي يخدم أجندة السيد الأمريكي حسب الطلب كما تهدف  إلى إثارة القلاقل من خلال استعمال هؤلاء المرتزقة كأداة وحربة تنتهك بهم حرمة وجغرافية وسيادة البلدان واستقرارها وخرق القانون الدولي دون أن تتعرض هي إلى المحاسبة و المساءلة، ورأينا تواجد هذه الميليشيات المسنودة لوجستيا في عشرات الدول من العالم وهو ما ذكّى الحروب والقتل في عديد البقع من الكرة الأرضية نذكر سوريا والعراق ولبنان واليمن والصومال وليبيا و أفغانستان وغيرها وهو ما أكده ترامب في حملته الانتخابية حينما اعترف بأن الإدارة الأمريكية زمن باراك أوباما قد دعّمت الدواعش و تنظيم القاعدة والمسلحين الإسلاميين كلهم .

 

وكان لهذه المجموعات دور متعاظم في استهداف السلم والأمن العالمي واستقرار الدول. وبالرّغم من انكشاف أمر دعمها واسنادها وتخليق هذه المجموعات من طرف الأمريكان بشكل مفضوح إلا أننا لم نلمس أية محاسبة لأمريكا أو مساءلة أو إحالة ملفها على القضاء الدولي .

 دعم أنظمة القمع والاستبداد والتمييز العنصري والاحتلال:

في تضارب كبير مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة دعم الأنظمة القمعية والاستبدادية الموالية لسياساتها وإسناد الأنظمة التابعة لها ممن تقمع وتنتهك حقوق الجماهير والمواطنين وهو ما نتج عنه حصول جرائم جسيمة وقتل وسجون واختفاء قسري واسع النطاق في تلك البلدان وكان سببها هذا الدعم اللوجستي والسياسي لمثل هذه الأنظمة الاستبدادية.كما دعمت أمريكا أنظمة الميز العنصري وهو ما كان سببا في مجازر وإبادات جماعية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان قامت بها هذه الأنظمة وذهب ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين .

استعمال الفيتو للتغطية على جرائم الغير:

لمزيد الإمعان في الانتهاكات الدولية الجسيمة تقوم  الولايات المتحدة الأمريكية وفي أغلب القضايا التي تهم حق الشعوب في تقرير المصير وحق البلدان  في ضمان استقلالها  وحق مواطني تلك الدول في نيل حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية وحق الدول في نشر العدالة الدولية الضامنة لوقف الانتهاكات فإن أمريكا وإزاء هذه القضايا تمعن في استعمال الفيتو الذي يُحْرِمُ البعض من نيل حقوقهم أو استرداد أراضيهم أو انتصافهم من ظالميهم وهي تستعمل هذا الحق لدعم منظومة الظلم الدولية وليس لحماية العدل  أو إنصاف المظلومين بل إن استعمال آلية الفيتو هي التي أحدثت الخلل الدولي في منظومة العدل والإنصاف والردع في العالم.

 عدم الامضاء على الاتفاقيات الدولية والمعاهدات:

تصرّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة على رفض التصديق على عدة اتفاقيات أساسية لحقوق الإنسان، بسبب اختلافها معها في المفهوم أو عدم قبولها بآلية المساءلة والخضوع للمحاسبة في حال الالتزام بمثل هذه الاتفاقيات اعتقادا منها أنها فوق القانون أو أنها قوة عظمى لا تحصرها الاتفاقيات، فالولايات المتحدة الأمريكية من الدول المتأخرة في مصاف الدول التي أدانت التمييز العنصري وهي لا تقبل إلى حد هذه الساعة ببعض الحقوق المدنية المنصوص عليها بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولم تُصدّق على البروتوكول الاختياري الخاص بإلغاء عقوبة الإعدام،  كما أنها لم تصدّق إلى حد هذه الساعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقية الخاصة بحقوق اللاجئين وهي من الدول التي ارتبط اسمها بالصومال لعدم تصديقها على اتفاقية حقوق الطفل.كما أنها لم تصادق على نظام روما الأساسي المنظم لمحكمة الجنايات الدولية وتسعى للضغط على الدول حتى تمتنع عن الانضمام إلى هذه المحكمة كما تحاول أن تنجز اتفاقيات ثنائية بينها وبين الدول المصادقة على المحكمة حتى لا تتعرض هي ومواطنيها للمحاكمة من طرفهم، وهي في طليعة الدول المعيقة لإقرار بروتوكول ملحق ثالث لاتفاقيات جنيف الأربع، وهي الدولة الوحيدة التي بنت تعريفا خاصا لجريمة التعذيب من أجل الالتفاف على ما صدقت عليه من اتفاقية مناهضة التعذيب كما اعتبارها التعذيب يُختصر في إنزال أذى بدني بشخص بشكل يؤدي إلى تعطل عضو من أعضاء جسمه أو تلفه فقط أما إذا لم يحدث تعطل أو تلف لأحد الأعضاء فان وسائل الاستجواب المستخدمة لا تعتبر تعذيبا.

وقد خرقت الولايات المتحدة اتفاقية جنيف في عديد النزاعات المسلحة كما ساندت الكيان الصهيوني في خرقه لاتفاقية جنيف في عديد المناسبات وكذلك ساندت السعودية في انتهاكها لهذه الاتفاقية في اليمن وخرقت بنود اتفاقية التجارة العالمية وقامت بالتجسس الصناعي ضد عديد الدول وانتهكت بذلك الاتفاقيات المنظمة لهذا القطاع.كما رفضت تنفيذ الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية “لاهاي” في عديد المناسبات، ولها مواقف متصلبة من اتفاقيات حماية البيئة ولم تصادق على بروتوكول “كويتو” حول الانحباس الحراري وهي أكبر دولة ملوثة للبيئة.

ونعجز عن تعداد الاتفاقيات والمعاهدات التي لم تصادق عليها أو تلك التي قامت بخرقها في هذا الحيّز الضيق من المساحة المتاحة.

الانسحاب من الاتفاقيات والمعاهدات وتهديد السلم والاستقرار الدولي:

لا تقتصر انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وكذا المواثيق الدولية التي خرقتها الولايات المتحدةالأمريكية كجريمة دولية فحسب بل إن انسحاب أمريكا من الاتفاقيات و المعاهدات قد أضرّ بالسلم الدولي والأمن العالمي ونورد بعض الأعمال التي قامت بها أمريكا في هذا الاتجاه حيث أقدمت إدارة ترامب على نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، كشكل من أشكال الاعتراف الرسمي بالمدينة المحتلة كعاصمة للكيان الصهيوني ويُعتبر هذا القرار تنصّلا من الإدارة الأمريكية عن الوفاء بالتزاماتها الدولية وانتهاكا واضحا لقرار مجلس الأمن،وهو ما يضع الولايات المتحدة الأمريكية في صدام  مع الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الدولي.

 

كما أعلنت بعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة انسحاب دولتها من الميثاق العالمي للهجرة وهو ما أصبح يمثّل خطرا على أمن وحياة كل المهاجرين من دول الجوار ومن غيرها.وفي 12 أكتوبر2017  أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية الانسحاب من المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة ” اليونسكو”، بسبب ما تدّعيه من ضرورة إجراء إصلاحات جذرية داخل المنظمة التي كانت لها مواقف حاسمة ضد إسرائيل، كما حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على إلغاء جميع الاتفاقيات التي أبرمتها الإدارات الأمريكية السابقة مع حكومة هافانا وذلك في 16 جوان 2017.

 

كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 مايو/ أيار 2018  انسحاب بلاده من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015 وأكد إعادة عمل بلاده  بالعقوبات المفروضة على طهران وهو ما يُعتبر انقلابا على خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بشكل غير رسمي باسم «صفقة إيران» أو «الاتفاق النووي الإيراني»، المنعقد مع خمس دول دائمة العضوية بمجلس الأمن زائد ألمانيا والاتحاد الأوروبي وهو ما أصبح يهدد السلم الدولي.

 

وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية  قرارها  الانسحاب من اتفاقية “الشراكة عبر المحيط الهادئ” TTP”، التي وقّعتْها الولايات المتحدة الأمريكية مع 11 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادي باستثناء الصين وذلك سنة 2015 ولوّح ترامب في كثير من المناسبات لإمكانية إلغاء الاتفاقية العالمية المتعلقة بالتغيير المناخي كما أعلنت أمريكا الانسحاب من اتفاقية باريس العالمية للمناخ في 1 نوفمبر/ تشرين ثاني 2017 .

 

وفي هذا الصدد نشير إلى أن الانسحاب من عديد الاتفاقيات من الطرف الأمريكي هو الذي أصبح يشكل قلقا دوليا على السلم والأمن العالمي والحياة فوق الأرض.

الانتقائية في التعاطي الدولي مع قضايا حقوق الإنسان

تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية شماعة حقوق الإنسان من أجل السيطرة على العالم وتقوم بأكبر عملية انتقائية في التعامل مع الملفات الدولية في هذا المجال سواء من خلال تسليط العقوبات على دول محددة أو في دعم أنظمة معينة أو مناهضة البعض الآخر منها وهي دائما ما تبحث عن أساليب للالتفاف على تعهداتها كما انتقاء المحاور الدولية التي تشتغل عليها المنظومة الأمميّة، وغالبا ما تهدد الولايات المتحدة الأمريكية المجالس الحقوقية من خلال سحب الدعم المالي عنها في حال تمردت عن إرادتها أو من خلال الانسحاب من التعهدات، وهي تنتقي الدول التي تستهدفها وتوظف الإعلام ضدها في سبيل تكريس عملية التخويف لتثبيت التبعية والموالاة.

استعمال سلاح فرض العقوبات وتشديد الحصار على بعض الدول لترهيبها:

أمعنت الولايات المتحدة الأمريكية في انتهاك حقوق الانسان وتهديد السلم العالمي وذلك من خلال استعمال سلاح فرض العقوبات الاقتصادية وتشديد الحصار على الدول التي أصبحت ترى فيها دولا متمردة ولذلك عانت الشعوب من مثل هذه الممارسات العنجهية وهذا الأسلوب القمعي في التحكم في العالم وفي قرارات الدول المتعرضة للعقوبات والحصار  أو تلك التي تفرض عليها الولايات المتحدة الأمريكية الانخراط معها في تسليط هذه العقوبات .

 

وبسبب ذلك تعرّض عديد البشر للموت البطيء والإهمال الصحي والجوع والمجاعة بانتهاج مثل هذه الأساليب القمعية كما تعرّضت بعض الدول إلى أزمات اقتصادية خانقة ضاعفت  فقرها وأبّدت ضعفها وتخلفها.

 

وغالبا ما يرتهن المجتمع الدولي إلى القرارات الأمريكية التي تكرّس مثل هذه العنجهية والاستجابة لهذه الجريمة الدولية التي تستبيح معاقبة الشعوب وقتلها تدريجيا تحت غطاء منظومة الشرعة الدولية.وتعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى تهديد كل دولة ترفض استعمال هذا السلاح ضد دولة أخرى وتعاقب كل من يجرؤ على خرق الحصار الاقتصادي على الدول التي تقرر هي معاقبتها، وحتى زمن جائحة كوفيد استمرت أمريكا في انتهاج ذات الأسلوب لمعاقبة الشعوب والدول التي لم تقبل بالإشتراطات والعنجهية الأمريكية.

دعم الشركات العابرة للقارات التي تنتهك البيئة والمناخ وحرية الأوطان والشعوب

تغيّر العالم في العقود الأخيرة وأصبحت الشركات العابرة للقارات وسيلة جديدة للاستعمار المقنّع وسلب سيادة الدول وقد اعتمدت السلطات الأمريكية مثل هذه الشركات في محاصرة الدول السائرة في طريق النمو والعمل على تقليص حدود وحجم سيادتها على أوطانها وشعوبها .

وأضحت هي من تنتهك منظومة حقوق الإنسان وأصبحت اليد الطولى للولايات المتحدة الأمريكية في شتى بقاع العالم لترسيخ الانتهاكات وما فتئت هذه الشركات تعقِد الصفقات المشبوهة وتضطر بعض الدول للتنصل من عهودها والتزاماتها تحت ضغطها وهي التي دفعت السلطات الأمريكية لعدم إمضاء اتفاقية المناخ وتنصلها من التزاماتها وتعهداتها في مجال حقوق الإنسان بل إن هذه الشركات هي من كانت سببا في إقحام الولايات المتحدة في عدة حروب كما التدخّل المباشر وتسليط الحصار وتشديد العقوبات.

 

نختم ونقول إن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بخرق المعاهدات الدولية في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية التسع المنظمة له والملحقة به كما انتهكت القانون الدولي الإنساني وقواعده وصكوكه الأساسية العرفية والمكتوبة ونكفت عهودها في الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة و الانخراط بأجهزته الرئيسية ولم تلتزم مطلقا بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة في 10ديسمبر / كانون أول 1948 وهي التي اجترحت عديد الجرائم كقيامها بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية كما قامت بالعدوان على دول وشنت الحروب عليها وقامت باستعمال وبيع أسلحة محرمة كما أنشأت  مجموعات إرهابية تنتهك القانون الدولي الإنساني دون أن تحاسب واعتمدت للإمعان في عنجهيتها دعم الدول والحكام القامعين وإسناد الأنظمة العنصرية والاستعمارية واعتماد الفيتو لتأبيد الأمر الواقع، كما اعتمدت سلاح العقوبات والحصار لفرض نفوذها وقراراتها ودعّمت شركاتها المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات لفرض هيمنتها على العالم ولم تصادق على الاتفاقيات الدولية التي تفرض مبادئ حقوق الإنسان وتملّصت من التزاماتها في هذا الشأن وانسحبت من بعض الاتفاقيات لتكريس مزيد من الهيمنة العالمية كما دأبت على انتهاج عملية انتقائية في مجال التعاطي مع ملفات حقوق الإنسان والملفات الدولية الحارقة وهي بذلك نصبت نفسها شرطيا قامعا للعالم.

 

وقد انتهك بسلوكها هذا ومنهجها العنجهي الامبريالي السلام العالمي والسلم الكوني  وأضحت أكبر عامل دمار للبشرية وأكبر مهدد للسلم العالمي وأمان الشعوب.

 

فهل ستستمرّ الولايات المتحدة الأمريكية في انتهاج ذات السياسات المعتمدة منذ حوالي قرن من الزمن أم أن ما أحدثه ترامب بعد التشكيك في الانتخابات الأخيرة قد كشف عورة الديمقراطية الأمريكية المهيمنة على العالم والمتجملة بمساحيق الزيف وعنجهية القوة؟؟. الأيام القادمة ستؤكد ذلك وتجلي عديد الحقائق ولن تصمد أمريكا أمام تهاوي نظامها وتخلخل ديمقراطيتها ونظامها العنجهي وتشتت إرادات زعمائها.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق