منهجية الحوار ومذهبية الصراع في إطار ماهية الحضارات وهوية الثقافات

أ.د/ أيمن وزيري

إن الحوار بين الحضارات يبدو ذي أهمية قصوى في التعبير عن المفاهيم والمنجزات الحضارية بين الشعوب القديمة بل والحديثة أيضاً، وهو تقليد قديم اتبعه الأقدمون في أزمنة السلم والحرب، ولعل مصطلح الحوار بين الحضارات يُشير إلى درجةٍ ذات شأن رفيع من التفاعل والتثاقف والتعاطي الإيجابي بين الحضارات المعنية به، وهو فعل ثقافي رفيع يؤمن بالحق في الاختلاف، إن لم يكن واجب الاختلاف، ويكرس التعددية، ويؤمن بالمساواة.

وعليه فإن الحوار لا يدعو المغاير أو المختلف إلى مغادرة موقعه الثقافي أو السياسي، وإنما لاكتشاف المساحة المشتركة وبلورتها، والانطلاق منها مجدداً.

الثقافة عبارة عن عادات وتقاليد ومُعتقدات

بيد أن بعض الباحثين يربطون أحياناً الحوار بالحضارات ويلحقونه حيناً آخراً بالثقافات أسوة بالتصنيف الكلاسيكي، وعلى ذلك فتُعتبر الحضارة تجسيداً وبلورةً للثقافة؛ فالثقافة عبارة عن عادات وتقاليد ومُعتقدات المجموعات البشرية التي تمتاز بسمات مُستقرةٍ، كما أنها بمعنى آخر مجموع الاستجابات والمواقف التي يواجه بها شعب من الشعوب ضرورات وجوده الطبيعي، بما تحمله من عادات ومُعتقدات وآداب ومتوارثات ثقافية واجتماعية وكذلك سياسية واقتصادية.

والحضارة كثيراً ما تُعرف بكونها التجسيد العملي لتلك الاستجابات والمواقف، وهي بالتالي تنزع إلى العمومية خلافاً للثقافة التي تنزع إلى الخصوصية، كما نَعني بها – أي الحضارة- ذلك الطور الأرقى في سلم تقدم الإنسان، وتُعرَّف أيضاً -أي الحضارة- بأنها مجموعة المفاهيم الكائنة عند مجموعة من البشر، وما ينبثق عن هذه المفاهيم من مُثُل وتقاليد وأفكار، ونظم وقوانين ومؤسسات تعالج المشكلات المتعلقة بأفراد هذه المجموعة البشرية وما يتصل بهم من مصالح مشتركة ، أو بعبارة مختصرة فهي جميع مظاهرة النشاط البشري الصادر عن تدبير عقلي.

الحضارة هى المادة والروح

بيد أن أشمل تعريفات الحضارة ذلك القائل بأن الحضارة تعني الحصيلة الشاملة للمدنية والثقافة؛ فهي مجموع الحياة في صورها وأنماطها المادية والمعنوية، وهو تعريف يُشير إلى جناحي الحضارة وهما «المادة والروح»، تلك التي تتلاءم مع فطرة الإنسان وتتجاوب مع مشاعره وعواطفه وحاجاته، وقد يُشير ذلك أيضاً إلى عناصرها التي تكمن في تصور الحياة وغايتها، والمقومات الأساسية التي تقوم عليها، وكذا المنهج الذي يستوعبها، فضلاً عن النظام الاجتماعي الخاص بها.

كما أنه يُلاحظ أن «الحوار بين الحضارات» قد يعني مظاهر تلاقح الثقافات الإنسانية في إطار تلك الحضارات المُتزامنة، وقد يُعبر أيضاً عن مظاهر التفاعل أو الصدام السياسي المتبادل بين تلك الحضارات، أو مظاهر الامتزاج الاجتماعي المُنضبط أو الصدام الاجتماعي الحاد بين تلك الحضارات، وقد يدل أيضاً على مظاهر التبادل التقني – التكنولوجي- النفعي أو مظاهر الصدام التقني الصارم بين تلك  الحضارات.

الصراع أحد سمات الاتصال البشري

أما عن مفهوم تناحر الحضارات ما بين مذهبية الصراع ومنهجية الحوار فيحفل التاريخ البشري بالكثير من الشواهد الدالة على أن الصراع أحد سمات الاتصال البشري، كونه عاملاً مؤثراً في تكوين الحضارات وانتقالها، فبقدر ما كانت الحروب سبباً للدمار، فقد أدت إلى انتقال المعرفة وغيرها من مكونات ومقومات الحضارة، وفي الوقت نفسه كان للعلاقات السليمة والحوار دورا كبيرا في تحقيق التواصل الحضاري وبناء الثقافات، وإن الشواهد كثيرة على أن الجانب الأكبر من الإنجاز الحضاري لم يكن ليتم إلا من خلال الحوار كمنهج حضاري للتفاهم والتعايش بين الحضارات؛ مع مراعاة خصوصية كل حضارة واحترامها لمبادئ وقيم الحضارات الأخرى.

كما أن حوار الحضارات يتجلى في عملية التشاور والتفاعل الثقافي بين الشعوب، والقدرة على التكيف مع الأفكار المخالفة والتعامل مع جميع الآراء الثقافية والدينية والسياسية، وتتعدد أهداف الحوار الحضاري، ومنها التعارف والتواصل والتفاعل والاحتكاك الحضاري، كما يعتبر الحوار الحضاري وسيلة أساسية لتجنب الصراعات والوصول إلى التفاهم بغية دحض التصادم الحضاري، وتكمن أهم مجالات الحوار الحضاري في المجال الديني والعقائدي، حيث يتجلى في الحوار بين الديانات السماوية وباقي الديانات الوضعية، وكذلك المجال السياسي حيث يتجلى الحوار بين مختلف التيارات السياسية، وأيضاً المجال الاقتصادي الذي يتجلى فيه مظاهر التعاون الاقتصادي بين الدول في مختلف النشاطات الاقتصادية.

ولقد تم عقد عديد من المؤتمرات وإبرام الجمعيات والمؤسسات الداعية لترسيخ سياسة الحوار والتفاهم والتعايش السلمي بدلاً من الصدام، وقد تبنى المعنيون بذلك هذه النظرية ووجهوا دعوتهم إلى تنمية الحوار بين العالمين الشرقي والغربي حتى يمكن لكل طرف أن يتفهم الآخر ويتعايش معه، وقد حددت الأمم المتحدة عام 2001 م عاماً مُختصاً بحوار الحضارات، كما عينت مندوباً مُختصاً لهذا المنصب.

بطلان دعوى صامويل هنتنجتون

ولكن علينا الرجوع إلى الأصل في ذلك، ولعل ذلك يتجلى في الديانات السماوية ؛ فالأصل في علاقات الشعوب والأمم هو التعارف والتحاور كما قال الخالق سبحانه: (يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . ويستنتج من ذلك بطلان دعوى صامويل هنتنجتون – صاحب كتاب صدام الحضارات – إذ يرى أن التفاعل بين بلدان المشرق الإسلامي وبلدان الغرب كان بمثابة صدام للحضارات، وهذا الزعم يبدو عارياً من الصحة؛ إذ يكمن التفاعل بين بلدان المشرق وأي حضارة أخرى – لاسيما الغرب – كان قائماً على مفاهيم الإخوة الإنسانية والشراكة المعرفية والثقافية.

ولقد كانت قيادة الدنيا – في وقت ما – شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية، ثم نقلتها النبوات إلى الشرق مرة ثانية، ثم في الشرق غفوته الكبرى، ونهض الغرب نهضته الحديثة، في توارث الغرب القيادة العالمية.

ولقد حظت الموروثات الحضارية القديمة وما يكمن فيها من آداب ولغة باهتمام عديد من المفكرين والباحثين العرب والأجانب أيضاً، وذلك منذ أمدٍ موغلٍ في القدم نظراً لكونها الفلك المداري الذي يدور في فلك المجتمع والحياة الفكرية والحضارية، ومنها كان منبع الدراسات اللغوية ورافد الدراسات الألسنية حتى غدت علوم اللسانيات بمثابة الفلك العام والإطار الجامع الذي اتخذت فيه اللغة بما لها وما عليها رافداً من روافد  البحث والدراسة ومن خلال ذلك ثار المثار القائل بوجود علاقة ضرورية أو لزومية بين الألفاظ والمعاني والموروثات الثقافية والحضارية، شأنها شأن العلاقة الحتمية بين النار والدخان. ولذا تُعتبر الحضارة تجسيداً وبلورةً للثقافة، التي هي عبارة عن منبع العادات والتقاليد والمُعتقدات البشرية التي تمتاز بسمات مُستقرةٍ في أغلب الأحيان، كما أنها بمعنىٍ آخرٍ تعبيراً عن مجموع الاستجابات والمواقف التي يواجه بها شعب من الشعوب ضرورات وجوده الطبيعي بما تحمله وتحتوي عليه من عادات وآداب ومتوارثات ثقافية واجتماعية وكذلك سياسية واقتصادية.

 

والحضارة كثيراً ما تُعرف بكونها التجسيد العملي لتلك الاستجابات والمواقف، وهي بالتالي تنزع إلى العمومية خلافاً للثقافة التي تنزع إلى الخصوصية، وعلى ذلك فينتج المفهوم المُعبر عن «الحوار بين الحضارات»، والذي يدور في إطار تلاقح الثقافات الإنسانية ومساراتها الكامنة في هذه الحضارات، وفي إطار تفاعل أو صدام سياسي مُتبادل كامن في طيات هذه الحضارات، وكذلك امتزاج اجتماعي مُنضبط بين هذه الحضارات، وأيضاً صدام اجتماعي حاد بين هذه الحضارات، فضلاً عن التبادل التقني –تكنولوجي- النفعي بين هذه الحضارات، وقد يكمن في إطار صدام تقني صارم بين هذه الحضارات.

الحروب أدت إلى انتقال المعرفة

ومما سبق ينتج عن الجانب الثاني الذي يكمن في عملية «تناحر الحضارات» ما بين مذهبية الصراع ومنهجية الحوار؛ حيث يحفل التاريخ البشري بالكثير من الشواهد الدالة على أن الصراع أحد سمات الاتصال البشري نظراً لكونه عاملاً مؤثراً في تكوين الحضارات والتعبير عن كيفية انتقالها وتوارثها عبر الأجيال، وبقدر ما كانت الحروب سبباً للدمار، إلا أنها أدت إلى انتقال المعرفة وغيرها من مكونات ومقومات الحضارة أو على الأقل كانت سبباً مُعبراً عن عملية الانتقال تلك، وفي الوقت نفسه كان للعلاقات السليمة والحوار دورا كبيرا في تحقيق التواصل الحضاري وبناء الثقافات.

وفي إطار أي حال من ضروب وواقع الحضارات، فينبغي أن يكون هناك حوارا بين الحضارات – ولاسيما الحوار بين الحضارات القوية والضعيفة، وإن شئت فقل الحوار بين المُنتصر والمُنهزم – كما ينبغي أن يحكم هذا الحوار شروط وضوابط تضمن حق الحفاظ على المرجعيات الثقافية والعقائدية لكل طرف من الأطراف المعنية بذلك.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق