مقاربة جديدة لتقنين وشرعنة الحشد الشعبي فى العراق

فراس إلياس

أخذ موضوع إصلاح قطاع الأمن في العراق، يطرح نفسه بصورة كبيرة بعد نهاية الحرب على تنظيم داعش في كانون الأول / ديسمبر 2017، وذلك من أجل تلافي الإخفاقات الكبيرة التي مرت بها القوات العسكرية العراقية، والتي كانت سبباً في الانتكاسات العسكرية أمام التنظيم منذ ظهوره في يونيو 2014، إذ عقدت الحكومة العراقية خلال فترة حكومة السيد حيدر العبادي، عديد من الاتفاقيات مع التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، من أجل إعادة تهيئة وتدريب القوات العسكرية العراقية، ودعمها عسكرياً وأمنياً، وفي الجانب المقابل؛ أخذ الحشد الشعبي يفرض نفسه بقوة في المعادلة الأمنية العراقية، ويؤسس قواته وقدراته العسكرية بعيداً عن الحكومة العراقية، ولعبت إيران دوراً كبيراً في هذا المجال.

إن موضوع تطبيع الحشد الشعبي، كجزء من عملية إصلاح قطاع الأمن في العراق، أخذ يترجم نفسه عبر العديد من الأوامر الديوانية التي صدرت، ومن أبرزها الأوامر المرقمة (237 -331-328) الصادرة في عام 2019، والتي أكدت على ضرورة إجراء مراجعة هيكلية ووظيفية لدور الحشد الشعبي، بالشكل الذي يحقق مزيداً من التكامل الوظيفي مع باقي فروع القوات المسلحة العراقية، بصورة تجعل من الحشد الشعبي قوات عسكرية خاضعة لأوامر وقيادة القائد العام للقوات المسلحة العراقية.

تنظر الفصائل الولائية إلى جهود إصلاح الحشد الشعبي، بأنها جزء من استراتيجية أمريكية موجهة ضد إيران، ومن ثم فإنها أعلنت في أكثر من مرة، بأنه ينبغي أن تكون جزءاً من قيادة أية عملية إصلاحية تطال الحشد الشعبي، وأن تكون هذه العملية من الداخل، ورفض أي جهود إصلاحية تأتي من الخارج، والأكثر من ذلك، تنظر هذه الفصائل بأن أي عملية إصلاحية ينبغي أن لا تؤثر على دور ومهام الحشد الشعبي، وهو مايجعل من مسألة تطبيع الحشد الشعبي مسألة تخضع لمتغيرات داخلية عراقية، واستحقاقات إقليمية ودولية.

إعادة تفعيل

أصدر رئيس هيئة الحشد الشعبي السيد الفياض مذكرة في يونيو 2020، في شكل رسالة موجّهة إلى مكتب رئيس الوزراء، وتشير المذكرة إلى إعادة تفعيل عملية إصلاح الحشد الشعبي في ظل الحكومة الجديدة برئاسة السيد مصطفى الكاظمي، مع الإشارة إلى قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لعام 2016، والأمر الديواني رقم 237 لسنة 2019، وعلى الرغم من الفقرات المهمة التي تضمنتها هذه الرسالة، من قبيل إلغاء تسميات الوحدات المقاتلة، ودمج قوات الحشد العشائري، فضلاً عن إصلاحات قانونية وإدارية وسياسية أخرى، إلا إنها لازالت تحتاج لمزيد من الشجاعة الحكومية لتنفيذها. [1]

*غياب أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، وإطلاق الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ساهم في الإسراع بعملية إصلاح الحشد

 

أسهمت عديد من المتغيرات في امكانية الدفع باتجاه عملية إصلاح وضع الحشد الشعبي، ومن أبرز هذه المتغيرات هي غياب أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، وإطلاق الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والذي قد يشجع الحكومة العراقية على تبني هذا الخيار، إلى جانب الدعم الذي يقدمه الشركاء الدوليين للحكومة العراقية “حلف الشمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي”، ورغبتهم في تطبيق مقاربة جديدة لإصلاح قطاع الأمن في العراق، عبر دعم جهود الحكومة العراقية في هذا الإتجاه، بالشكل الذي يحقق تكاملاً وظيفياً داخل المؤسسة العسكرية العراقية.

إن التغييرات الإدارية والعسكرية التي أقدم عليها السيد الكاظمي في الآونة الأخيرة، وتحديداُ تلك التغيرات التي حصلت في جهاز الأمن الوطني ومستشاريه، وإعادة فرض سلطة الدولة على منابع النفوذ الاقتصادي للفصائل المهيمنة داخل الحشد الشعبي، ماقد يجعلها في المستقبل غير قادرة على الإيفاء بمستحقات مقاتليها، إلى جانب انحسار الدعم المالي الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية، والأكثر من ذلك، دعم المرجعية الدينية في النجف وعبر بيانات عدة أطلقتها في وقت سابق، لأي إجراءات حكومية تهدف لحصر السلاح بيد الدولة، والسيطرة على تحركات الفصائل الخارجة عن سلطة الدولة.

أشارت عملية نقل حشد العتبات التابعة للسيد علي السيستاني وارتباطاتها من هيئة الحشد الشعبي إلى وزارة الدفاع العراقية، نتيجة خلافاتها مع الفصائل الولائية، إلى إمكانية أن تتجه الحشود السنية ذات الاتجاه، خصوصاً وإنها تعاني اليوم من ذات المشاكل والتحديات، ماقد يجعل الفصائل الولائية في مواجهة مباشرة مع الدولة العراقية، وما يدعم هذا التوجه، ، ومن ثم فإن هذا الوضع قد يجعل هذه الفصائل بدون دعم مالي وعسكري، وبالتالي قد تجد في الدولة العراقية السبيل الوحيد للحفاظ على مكاسبها، سوءاً عبر اندماجها أو حلها، مع محفزات اقتصادية ومدنية.

معوقات في الطريق

في مقابل ذلك؛  توجد عديد من الصعوبات الكبيرة التي تقف أمام إصلاح الحشد الشعبي، ومن أبرزها: القوة العسكرية والإقتصادية الكبيرة التي أصبحت تمتلكها فصائل الحشد، وخصوصاً الفصائل الولائية منها، إلى جانب التلقين العقائدي الذي يتلقاه المقاتلين في الحشد الشعبي، ما يجعل عملية دمجهم بالمؤسسة العسكرية العراقية صعباً للغاية، وهو ما أشار إليه السيد هادي العامري زعيم منظمة بدر، من عدم إمكانية الدمج بين مقاتل يقاتل على أساس الأخوة والروحانية، وجندي يقاتل على أساس المهنية والحرفية.[2]

والأكثر من ذلك؛ الدور الإيراني الرافض لأية عملية إصلاحية تطال الحشد الشعبي، وإعتبار ذلك إخلالاً بالتوازنات الإقليمية التي يشكل محور المقاومة جزءاً منها.

 مقترحات مهمة للبدء بالعملية الإصلاحية

تشكل عملية تحويل الحشد الشعبي لمؤسسة أكثر حرفية ومهنية عملية صعبة جداً، وينبغي أن تتم عبر برامج متوسطة وطويلة المدى، خصوصاً في ضوء الوضع السياسي والأمني والصحي والاقتصادي الصعب الذي يعيشه العراق اليوم، وهو مايستدعي اعتماد مجموعة من الآليات الهادفة لترويض الفصائل الولائية الرافضة لأي عملية إصلاحية لمسار الحشد الشعبي تقوم بها الحكومة العراقية، ومن أبرزها:

  1. تشكل حالة الخلاف العقائدي والمذهبي، وعدم التجانس الوظيفي والتسليحي، بين الفصائل المشكلة للحشد الشعبي، إحدى أبرز معوقات تطبيع الحشد الشعبي، وهو مايستدعي إعادة تهيئة هذه الفصائل ثقافياً وعسكرياً وفكرياً، بالشكل الذي يجعل منها مؤسسة عراقية محترفة، وتنصهر داخل المؤسسة العسكرية العراقية.
  2. إعادة النظر في الموارد الاقتصادية التي تتحصل عليها الفصائل الولائية داخل الحشد الشعبي، والتي تتم عبر آليات ووسائل غير شرعية، وإنهاء دور المكاتب الإقتصادية، عبر إجراءات إدارية متدرجة.
  3. تحييد التأثير الإيراني على الحشد الشعبي، عبر سياسات واضحة وصارمة تعتمدها الحكومة العراقية، وإنهاء التقسيمات الحالية المتمثلة بـ(حشد خامنئي وحشد السيستاني)، وقد تشكل زيارة الكاظمي الأخيرة لطهران مدخلاً لذلك.
  4. تمكين الحشود التابعة لمرجعية النجف والحشود السنية داخل هيئة الحشد الشعبي، بالشكل الذي يحقق مزيداً من التوازن والعدالة التمثيلية في التأثير وصنع القرار، وتهميش المركزية التي أسسها المهندس للفصائل الولائية وتحديداً كتائب حزب الله، وهو توجه قد يسهل من مهمة الحكومة العراقية في المستقبل المنظور.
  5. التأكيد على دور مرجعية النجف في أي عملية إصلاحية تطال الحشد الشعبي، بإعتبارها صاحبة الفتوى التي أسست الحشد الشعبي، والأساس الشرعي له.
  6. اعتماد سياسات من شأنها أن تقنع الفصائل الولائية بضرورة التخلي عن الأسلحة الثقيلة من دبابات وصواريخ وغيرها، بضرورة وضعها في معسكرات مؤمنة تشرف عليها وزارة الدفاع العراقية.
  7. اقناع الطرف السياسي الشيعي الراعي للحشد الشعبي، بأن عملية إصلاح الحشد الشعبي، لا تعني مساساً استحقاقهم السياسي بعد عام 2003، وإن هناك إلتزاماً دولياً بحماية النظام السياسي في العراق، من أي تهديدات داخلية أو خارجية، وإنها سترعى العملية الديمقراطية في العراق مستقبلاً.
  8. تجميد وضع الحشد الشعبي، فضلاً عن إعادة النظر في طبيعة الأدوار العسكرية التي تقوم بها الفصائل الولائية، مع إمكانية تشكيل وزارة جديدة في الحكومة العراقية تعرف بوزارة الحشد الشعبي، وذلك لفرض الوصاية الحكومية عليها، بالإطار الذي يعطيها بعداً مدنياً، من الممكن أن يطغى عليها مستقبلاً.
  9. تحسين الظروف المعيشية للمقاتلين، وإدماجهم في دورات تثقيفية تتماشى مع تلك التي يخضع لها الجندي في الجيش أو جهاز مكافحة الإرهاب، وشمولهم بقانون العقوبات العسكري رقم 19 لسنة 2007، بالشكل الذي يجعلهم مقاتلين أكثر إحترافاً بالمستقبل.
  10. إخضاع مديرية التوجيه العقائدي في هيئة الحشد الشعبي، والتي تسيطر عليها الفصائل الولائية، لإشراف ومراقبة وزارة الدفاع العراقية، لدورها في ترسيخ العقيدة العسكرية في أذهان المقاتلين، عبر العديد من الدراسات والكراسات التثقيفية التي لا تتوائم مع توجهات الدولة العراقية.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق