مستقبل الحكومة الإسرائيلية المقبلة

كل الطرق تؤدي للانتخابات المبكرة

دكتور أيمن ابراهيم الرقب

منذ اللحظة الأولى لتشكيل حكومة الائتلاف الإسرائيلية بين نتنياهو وبني غانيتس توقع كثيرون عدم إكمال هذه الحكومة فترتها وإننا قد نشهد انتخابات إسرائيلية للمرة الرابعة.

وبقراءة لديباجة الاتفاق بين حزبي الليكود و(أزرق أبيض)تشعر أن الأول تنازل كثيرا من أجل تشكيل هذه الحكومة ووافق الليكود بمناصفة كل شيء مع حزب أزرق أبيض، ويتضح أن الهدف الأساسي هو حماية نتنياهو الذي تطارده ملفات الفساد، وأن القبول بهذا الاتفاق من قبل نتنياهو وحزبه له أهداف بعيدة أقلها هو الخلاص من بني غانيتس، الذي أصبح منافسا كبيرالنتنياهوبل وتم تكليفه لتشكيل الحكومة، ورؤية اقناعه بالتحالف مع بنيامين نتنياهو الذي كان يهاجمه من قبل تعتبر نهاية لمستقبل بني غانيتس السياسي، وهذا ما حدث بالفعل حيث تفكك حزب أزرق أبيض وخرج أهم حلفاء بني غانيتس من الحزب وانتقلوا لصف المعارضة، فحزب “يش عتيد”، الذي يقوده “لبيدو”، حزب تيليم الذي يقوده “يعلون” ذهبا في ائتلاف بعيدا عن حزب أزرق أبيض وأخذا معهما أكثر من نصف أعضاء حزب أزرق أبيض في الكنيست الإسرائيلي.

لقد تخلص بنيامين نتنياهو المصنف كمخادع من أكبر منافسيه وأغراه بموقع رئيس الوزراء في النصف الثاني من دورة الحكومة أي بعد ما يقارب عام ونصف من تشكيل الحكومة، بني غانيتس من جانبه كان يدرك أن نتنياهو قد يتراجع عن هذا الاتفاق وينقلب عليه خاصة أن بني غانيتس لم يخسر حلفاءه بل خسر أيضا جمهوره، الذي فقد الثقة به بعد أن وافق أن يكون شريك في حكومة يقودها بنيامين نتنياهو، المتهم في عديد من ملفات الفساد، لذلك وضع بني غانيتس الكثير من الشروط حتى لا يتمكن بنيامين نتنياهو منه بشكل مطلق.

وبعد مرور عدة شهور على تشكيل الحكومة الإسرائيلية التي تم الاتفاق عليها في آيار| مايو الماضي برزت العديد من الأزمات التي تنذر بتفجر هذا الائتلاف والذهاب لانتخابات للمرة الرابعة دون استقرار سياسي داخل دولة الاحتلال، ومنذ اللحظة الأولى لتشكيل هذه الحكومة واجهها عدة تحديات منها :

أولاً : أزمة كورونا

لقد تراجعت شعبية الحكومة الإسرائيلية وشعبية رئيس حكومتها نتنياهو بسبب إساءة إدارة ملف مواجهة جائحة كورونا، حيث تفاقمت الأزمة الاقتصادية نتيجة القرارات التي اتخذتها الحكومة ومن ضمنها الإغلاق الشامل والجزئي لمعظم مناح الحياة مما زاد الأزمة الاقتصادية، ورغم محاولة الحكومة تقديم المساعدات لمعظم المتضررين من هذه الإغلاقات والتي كانت على النحو التالي (كل عائلة مع طفل واحد تحصل على منحة مالية بقيمة 2000 شيكل، والعائلة مع ولدين تحصل على منحة بقيمة 2,500 شيكل، والعائلة من 3 وأكثر تحصل على 3000 شيكل، والأعزب من جيل 18 فيما أعلى يحصل على منحة بقيمة 750 شيكل)، إلا أن هذه المساعدات لم تفي بحاجة العمالة، التي تضررت بشكل كبير ووصلت نسبة البطالة حسب موقع ( آي ٢٤ العبري ) إلى أكثر من ٣٥ بالمائة .

ومثّل عدم التزام المتدينين اليهود بالإغلاق الشامل خاصة فترة الأعياد تحدِ جديدة للحكومة الإسرائيلية وأصر رئيس حزب “يمينا نفتالي بينت” على اعتبار هذه الإجراءات بأنها خاطئة ولن تقوض انتشار فيروس كورونا وقام بعدة زيارات لأماكن دينية وتجمعات يهودية دينية من الحريديم،مما زاد من شعبيته على حساب نتنياهو حيث أضهر آخر استطلاع أجرته جريدة أحرونوت في الثالث عشر من تشرين الثاني| نوفمبر ٢٠٢٠ تقدم حزب يمينا الذي يقوده نفتالي بينت إلى ٢٣ مقعدا في حال إجراء انتخابات الآن مقابل ٦ مقاعد حاليا له في الكنيست وتراجع شعبية حزب الليكود الذي يقوده بنيامين نتنياهو إلى ٣٠ مقعدا، وحزب أزرق أبيض الذي يقوده بني غانيتس إلى ٩ مقاعد، كما شهدت اجتماعات مجلس كورونا المصغر والذي يضم أعضاء من أحزاب الليكود و “أزرق أبيض”و”شاس” و”هتوراهيهودوت”تباينت كثيرة حول اجراءات الإغلاق وتقييد المظاهرات والتجمعات.

 

إضافة لذلك مثلت المظاهرات التي لازالت مستمرة منذ عدة شهور ضد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تحدي أخر للحكومة في مواجهة أزمة كورونا ورغم إصدار قانون من الكنيست الإسرائيلي يحد من حجم المتظاهرين وأماكن التظاهر إلا أن المتظاهرين لم يلتزموا بذلك وأحدث حالة من الصدام بين المتظاهرين والشرطة، وهذه المظاهرات التي بدأت مطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي بسبب إجراءات الإغلاق بسبب جائحة كورونا تحولت لمظاهرات تطالب رئيس الحكومة الإسرائيلية بالاستقالة ومحاكمته بملفات الفساد، ونتيجة هذا السلوك من الحكومة استقالوزير السياحة الإسرائيلي عساف زامير وقد حملت ديباجة الاستقالة التي قدمها لرئيس حزبه بني غانيتس وليس لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو احتجاجه على قرارات الحكومة تجاه كورونا وتجاه المتظاهرين ومطالبة بني غانيتس الانسحاب من الائتلاف الحكومي لأن الاستمرار تحت قيادة الفاسد نتنياهو يتنافى مع مبادئ حزبه.

ثانيا ً : أزمة الموازنة

مع ظهور نتائج تلك الاستطلاعات الجديدة، والصراعات بين أحزاب الائتلاف الحكومي من جهة، وداخل الأحزاب نفسها من جهة أخرى، خاصة أن معظم هذه الاستطلاعات تعطي تفوقا كبيرا لأحزاب اليمين الإسرائيلي وتراجعا كبيرا لحزب أزرق أبيض وأحزاب اليسار بشكل عام،إلا أن أية نتيجة نهائية غير متوقعة وهناك خشية من بقاء الوضع على ما هو عليه اليوم، وأن يعود التعادل السياسي بين اليمين واليسار كما هو دون تغيير، رغم أن استطلاعات الرأي تفتح شهية أحزاب اليمين للذهاب إلى الانتخابات، خاصة أن الاستطلاعات الأخيرة شبه مستقرة على حصول اليمين على ما لايقل عن ٦٥ مقعدا في أي انتخابات قادمة وهذا لم يحدث في جولات الانتخابات الثلاثة التي جرت من قبل.

ولكن رغم هذا الحراك الحزبي والمجتمعي إلا أن مسألة عدم اعتماد الموازنةستدفع نحو حل الحكومة والتوجه إلى انتخابات جديدة.

فمنذ عام 2018 تعمل الحكومة الإسرائيلية من دون موازنة، وتم إنهاء الأزمة التي نشبت بين حزبي الليكود وأزرق أبيض بحل وسط، قضى بمنح الحكومة فترة تأجيل مدتها ثلاثة أشهر لإقرار موازنة 2020 حتى الأسبوع الأخير من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، أي بعد عدة أيام.

أما نتنياهو فيمنع المصادقة على الموازنة لمدة عامين ويوافق على اعتمادها لمدة عام واحد، كي يمتنع عن نقل رئاسة الحكومة إلى بني غانيتس، ويتجه إلى الانتخابات في الموعد المناسب له، ومن موقعه كرئيس حكومة مؤقت.

وبحسب الاتفاق بين حزبي الليكود وأزرق أبيض، فقد كان من المفترض أن يصادق على الموازنة مع نهاية أغسطس (آب) الماضي، لكن نتنياهو تجاهل مضامين الاتفاق، ما استدعى أن يطلق بني غانتس تهديداته بالانسحاب من الحكومة رغم استطلاعات الرأي التي تعطي تراجعا كبيرا لحزبه لأنه أدرك أن نتنياهو لن ينفذ الاتفاق وأطلق تصريحا واضحا في الرابع عشر من فبراير| شباط٢٠٢٠ بأن إسرائيل ستشهد الانتخابات الرابعة في منتصف شهر مارس القادم، مما يعني إنه قد نشهد حل الحكومة في شهر ديسمبر نتيجة عدم تمرير الموازنة وسيكون بالتأكيد بني غانيتس وحزبه أكبر الخاسرين حتى لو لم ينسحب من الحكومة سيذهب نتنياهو لحلها حتى لا تنقل رئاسة الحكومة لبني غانيتس.

إسرائيل تدار دون موازنة منذ عامين ما أثر على عدة مجالاتفجهاز التعليم فشلفي تحدي “التعليم عن بعد” كماأن الفجوة الرقمية تتسع

وكان الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين أطلق نداء للحكومة عَبر فيه عن انعكاسات عدم إقرار الموازنة، وقال: ( إنه منذ سنتين تدار إسرائيل من دون موازنة وهذا أثر على عدة مجلات،فجهاز التعليم مثلا لا ينجح في بلورة اتجاه واضح لمواجهة تحدي التعليم عن بعد، والعديد من الطلاب بقوا في الخلف، والفجوة الرقمية تتسع، ومن شأننا أن نفقد جيل المستقبل.. أعمال تجارية تنهار، معدل البطالة عال، والعجز المالي اتسع، والجهاز الصحي يجثم تحت عبء الوباء.. أجيزوا موازنة الآن، وأتيحوا للاقتصاد الإسرائيلي استقراره الأساسي الذي يحتاجه ).

ودعا  غانيتس رئيس الحكومة نتنياهو إلى إعداد موازنة لعام 2021 وطرحها على الحكومة والكنيست حتى ديسمبر| كانون الأول لإقرارها، وكتب في هذا الشأن (لقد خرقت الاتفاق بيننا، فلا تمس بمواطني الدولة ).

وشدد غانتس على أنه سيتوجه نحو حل الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة في حال عدم إقرار الموازنة العامة.

ثالثاً : أزمة ملفات فساد نتنياهو

تتسع يومياً المظاهرات والمطالبات الشعبية والرسمية المطالبة بإقالة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو من منصبه وتقديمه للقضاء في ملفات الفساد العديدة والتي كان آخرها ملف الغواصات الألمانية، إلا أن النائب العام الإسرائيلي حسم هذا الجدل حول مستقبل الحكومة الإسرائيلية حال اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بجرائم فساد وإدانته من قبل المحكمة، وأكد أفيحاي ماندلبليت النائب العام الإسرائيلي، أن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، سيبقى كما هو بصفته، وبأنه مثل أي مواطن في الدولة ومثل أي شخص آخر، سنعمل على محاكمته مثل أي متهم بقضايا جنائية.

وأشار ماندلبليت في خطاب له خلال حفل لوزارة القضاء الإسرائيلية، إلى أن نتنياهو مازال يحافظ على موقفه القانوني الذي تبناه أمام المحكمة من أنه يمكن له الاستمرار في منصبه رغم لائحة الاتهام المقدمة ضده، رهنًا بتسوية تضارب المصالح الناشئة عن المحاكمة الجنائية الجارية.

وشدد على أنه يعمل مع الجهاز القضائي في الدولة على حماية القانون وإنفاذه رغم كل الحملات التي تستهدفه، مشيرًا إلى أنه يتعرض إلى جانب آخرين من الجهاز إلى حملة من الإهانات والأكاذيب في محاولة للتأثير على قراراتهم.

ورغم كل محاولات نتنياهو تغيير في القضاة وجهاز الشرطة والضغط على المستشار القضائي للحكومة إلا أنه لم ينجح حتى الآن، ونتيجة المظاهرات المستمرة والمطالبة باستقالته إلا أنه يعتبر هذه المظاهرات انقلابا على الديمقراطية التي جاءت به للحكومة متهماً حليفه حزب أزرق أبيض بدعم هذه المظاهرات .

نتيناهو سيدعو لانتخابات مبكرة للهروب من الوضع القائم والافلات مؤقتا من اتهامات الفساد

بنيامين نتنياهو إذا شعر أن الخناق يزداد حول عنقه سيدعو لانتخابات مبكرة للخلاص من كل ذلك عسى أن يتغير الواقع خاصة أن محاكمته في شهر يناير القادم وخلال الانتخابات سيتم تأجيل محاكمته في ملفات الفساد وبذلك يكسب وقتاً جديدا مع مطالبة محاميه بتأجيل المحاكمة مرة أخرى.

الخلاصة :

رغم استعراضنا لثلاث عوامل تمثل أزمات أمام الحكومة الإسرائيلية الحالية وتنذر بانهيارها في أقرب فرصة إلا أن أهمها هو أزمة اعتماد الموازنة.

كل المتابعين يتوقعون عدم تمرير الموازنة من قبل الحكومة الإسرائيلية مما يعني انهيار الائتلاف وحل الحكومة، وبعدها التصويت على حل الكنيست والذهاب إلى انتخابات للمرة الرابعة في مطلع العام القادم وقد لا يتجاوز منتصف مارس|أذار القادم ، وتلعب استطلاعات الرأي عاملا مهما في إقناع اليمين للتصويت على حل الكنيست وعدم الذهاب إلى تشكيل حكومة جديدة بقيادة نتنياهو وبالتالي أمر انهيار الحكومة والذهاب إلى الانتخابات هو أمر محسوم وأن نتائج الانتخابات الأمريكية لن تؤثر على بقاء هذا الائتلاف لترتيب أوراق العمل مع الإدارة الأمريكية الجديدة فى عهد جو بايدن.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق