محور المقاومة الإيراني واستراتيجية الحروب اللا متماثلة

فراس إلياس

بدأ تعبير “الحرب اللامتماثلة” يظهر في كتابات ودراسات المسؤولين الأمريكيين منذ إنتهاء حرب الشيشان خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وقد ظهرت عدة تعريفات لها، وأول من عرفّها كان المقدم في الجيش الأمريكي بيل نيمت، حين وصفها “بأنها نموذج عصري لحرب العصابات يستخدم فيها الثوار التكنولوجيا الحديثة، وسبل حديثة لحشد الدعم المعنوي والشعبي”.[1] ويقصد هنا بالتكنولوجيا الحديثة الأسلحة المتطورة، والتي استخدمت ضمن تكتيكات حرب العصابات، بشكل لم تعد الجيوش النظامية للدول الكبرى قادرة على التمييز فيما إذا كانت تخوض حربا تقليدية أو غير تقليدية.[2] فلقد استخدم المقاتلون الشيشان صواريخ حديثة مضادة للدروع والطائرات، وفي إطار حروب العصابات يتم استخدام العمليات الإنتحارية ونصب الكمائن والهجوم المضاد. [3]

تحد كبير

في هذا الإطار نشر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن؛ تقريراً تحت عنوان: “الإبحار في مياه الخليج بعد الاتفاق النووي الإيراني: الاستفزازات البحرية الإيرانية وتحديات السياسة الأمريكية”، وأعدت التقرير مليسا دالتون مدير برنامج الأمن الدولي في المركز، واستعرضت خلاله السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، والقوى المحركة للسياسة الإيرانية وقدراتها العسكرية، وإنعكاس ما سبق على المصالح الخليجية والسياسة الأمريكية، وتوضح دالتون إن إيران في مواجهة الغير، لا تعتمد على تكتيكات الحرب التقليدية، بل على أساليب الحرب اللامتماثلة، نتيجة لمحدودية قدراتها العسكرية التقليدية مقارنةً بالقوات الأمريكية، وتتسم هذه الأساليب بغياب المركزية، ومن ثم صعوبة التنبؤ بتحركاتها، ما يمثل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة.[4]

استراتيجية بحرية لا متماثلة

إن الجانب الإيراني يتبع استراتيجية بحرية لا متماثلة ترنو للسيطرة على مضيق هرمز، وتتمثل هذه الاستراتيجية في ملء المضيق بأعداد من الزوارق الصغيرة مع استعمال أعداد كبيرة من الصواريخ المحمولة المضادة للسفن، بالتوازي مع إبتكارها عدداً من أنظمة الدفاع الصاروخي الساحلي، ومن وجهة نظرها، فإن اعتماد إيران على أساليب الحرب اللامتماثلة مرده أن قدراتها العسكرية التقليدية تواجه العديد من الإشكاليات، ومنها عدم الاهتمام بتحديث وإصلاح القوات الإيرانية البحرية؛ فهي تمتلك نحو 200 سفينة تعود إلى عهد الشاه محمد رضا بهلوي، علاوة على عدم جاهزية القوات التقليدية للعمليات التي تتطلب تحركاً سريعاً، وعلى العكس من ذلك، تشير إلى إن قوات الحرس الثوري تتمتع بعديد من عناصر القوة، فهي تتبنى أساليب الحرب اللامتماثلة وتكتيكات أخرى متعددة، ما يصعب التنبؤ بتحركاتها، وفي هذا الإطار، كثيراً ما تقوم تلك القوات بفرض عدد من القيود على السفن المارة في الخليج، وممارسة مجموعة من الاستفزازات.[5]

شن هجمات بأعداد كبيرة من القوات، سيٌمكن القوات الإيرانية من اتباع تكتيكات الإكتساح في حشود أو تكتيكات “اضرب واهرب”

تعد القوات العسكرية الإيرانية وخاصة الحرس الثوري، منظمة عسكرية قادرة على تنفيذ عمليات قتالية متنوعة، ورغم أن القوات المسلحة تعاني من تواجد ترسانة أسلحة متقادمة، إلا إن ابتداع هذه القوات لتكتيكات الحرب اللامتماثلة، واستخدام تقنيات خاصة بها ذات تأثيرات قوة تعوض هذا النقص، ويعني أن إيران قادرة على فرض تحديثات على معظم عدائيات، خاصة جيرانها الضعفاء مقارنة بها، وفي نفس الوقت فإنه بمقدور إيران أن تعوض عدم قدرتها على توفير قوة ردع مؤثرة ضد قوى معادية لها تتفوق عليها مثل الولايات المتحدة، بسعيها نحو تطوير برامج نووية مزدوجة الاستخدام (مدني وعسكري)، وتدعي إيران إن عمليات تخصيب اليورانيوم التي تقوم بها هي للأغراض المدنية، ولكن بالنظر لما ثبت من شواهد عن سعيها للحصول على تصميمات أسلحة نووية، فإن ذلك يعطي دلالة على نواياها لامتلاك قدرات نووية.[6]

ردع نووي

إن الردع النووي الإيراني الذي يرتكز على إزدهار برنامجها لتطوير صواريخ باليستية، سيوفر في النظرة الإيرانية قدراً كبيراً من الأمن في علاقاتها مع دولتين من أشد أعدائها وهما الولايات المتحدة وإسرائيل، وأيضاً حصانة أكبر في الدائرة الإقليمية، والحرب العراقية الإيرانية التي نشبت في الثمانينيات من القرن العشرين، وما شهدته إيران من حملات مضادة للعصيان في الداخل، يعني أن المؤسسة العسكرية الإيرانية ازدادت خبرة وقوة، وحتى الآن فإن إفتقار إيران لأنظمة تسليح ومعدات حديثة، يعني أن المؤسسة العسكرية الإيرانية يجب أن تعتمد على التفوق الكمي في الأفراد وأنظمة التسليح، أكثر من الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة لخوض الحرب، كما أن شن هجمات بأعداد كبيرة من القوات، سيٌمكن القوات الإيرانية من اتباع تكتيكات الإكتساح في حشود أو تكتيكات “اضرب واهرب”، وذلك في محاولة لشل حركة القوى المعادية، كما أن الأسراب الجوية الإيرانية المتقادمة تعد محدودة القيمة، وربما تم تفكيك الكثير منها لتستخدم كقطع غيار لتتمكن مقاتلات أخرى من العمل؛ ذلك أن الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على توريد معظم أنظمة التسليح التقليدية والرئيسة إلى إيران في يونيو 2010، سيزيد من إضعاف حالة المعدات الإيرانية، ورغم أن إيران حاولت بنجاح جزئي أن تنشط صناعاتها العسكرية الوطنية، إلا إنها لا تزال تعتمد في هذا المجال على دول أجنبية كروسيا والصين وكوريا الشمالية، من أجل تطوير معدات ذات تقنية عالية، بما في ذلك الصواريخ المضادة للسفن، ومنصات صواريخ الدفاع الجوي.[7]

تسمح خطة دفاع الفسيفساء لإيران بالاستفادة من عمقها الإستراتيجي والجغرافي الهائل في تنظيم حركة مسلحة ضد القوات الغازية

وفي إطار فرضيات اللاتماثل بالتهديد، وضعت إيران استراتيجية هجينة لمواجهة العمليات الأمريكية في الخليج، وتستخدم هذه الاستراتيجية مزيجاً من التكتيكات غير النظامية والأسلحة المرتجلة ذات القدرات المتقدمة من الناحية التكنولوجية لمنع أو الحد من وصول الجيش الأمريكي لقواعدها، وتقييد حريته في المناورة عبر مضيق هرمز، ومن الممكن أن تستغل إيران في تنفيذ استراتيجيتها اللامتماثلة هذه الميزات الجغرافية والسياسية في منطقة الخليج العربي؛ للحد من فعالية العمليات العسكرية الأمريكية، وقد لا يكون هذا النهج في حد ذاته استراتيجية حرب ناجحة لإيران، ولكنه سوف يرفع بشكل كبير من تكاليف أو طول مدة التدخل العسكري الأمريكي، وهو ما سيخلق فرصة لإيران لإجراء أعمال العدوان والإكراه، ولن تنتهي التحديات بمجرد تأسيس الولايات المتحدة موطئ قدم لها عند أعتاب إيران؛ حيث سيكون عليها قهر بقية البلاد، ومرة أخرى سوف تعمل إيران على الاستفادة من الجغرافيا، إذ تقع كل المدن الرئيسة في إيران تقريباً في شمال البلاد، وسيكون الوصول إليها بدءاً من الجنوب تحدياً جباراً في ظل أفضل الظروف، وماهو أهم من ذلك هو أن مساحة إيران هائلة، وكما يلاحظ مركز ستراتفور: “إيران هي الدولة الـ 17 من حيث الحجم في العالم، وهي تمتد على 1684000 كيلومتر مربع، وهذا يعني أن أراضيها أكبر من أراضي فرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال مجتمعة”.[8]

دفاع الفسيفساء

بطبيعة الحال لن تعمل القوات الأمريكية ضمن الأراضي الإيرانية في ظل أفضل الظروف، وفي الواقع تدربت قوات الحرس الثوري لفترة طويلة على خطة لشن حملة تمرد وحرب عصابات ضد القوات الغازية، وسوف تتضمن هذه الخطة التي يسميها الحرس الثوري “دفاع الفسيفساء”، جهوداً مشتركة بين الحرس الثوري والباسيج والقوات المسلحة النظامية، إذ تسمح خطة دفاع الفسيفساء لإيران بالاستفادة من عمقها الاستراتيجي والجغرافي الهائل في تنظيم حركة مسلحة ضد القوات الغازية … وكلما امتدت خطوط إمداد العدو إلى داخل إيران، فإنها ستكون عرضة للإعتراض من قبل خلايا خاصة شكلها الحرس الثوري لمضايقة عمليات العدو، وقد تدربت قوات الحرس الثوري والباسيج على وضع كمائن مدرعات وطائرات هليكوبتر العدو، وأجري الكثير من هذا التدريب في بيئة حضرية، ما يشير إلى أن إيران تعتزم استدراج قوات العدو إلى المدن؛ حيث سيكونون محرومين هناك من القدرة على التنقل والحصول على الدعم الجوي، هذا إلى جانب محور المقاومة الذي أسسته إيران في منطقة الشرق الأوسط، والذي سيوظف عسكرياً في أية عمليات عسكرية ضد إيران مستقبلاً.[9]

إذ تعتمد قابلية إيران على تنفيذ هجمات إرهابية عالمية في قدرتها على استدعاء مجموعة من الميليشيات المسلحة الموجودة في منطقة الشرق الأوسط ضمن محور المقاومة، المستعدة للعمل بإيعاز من إيران، وسيتم بالتأكيد استدعاء هذا المحور لتنفيذ ذلك النوع من الهجمات الإرهابية اللامتماثلة، التي يمكن تنفيذها مع قدرة معقولة على إنكار المسؤولية، مما يجعل الرد المستهدَف أكثر صعوبة، وقد ألمح نائب رئيس القوات المسلحة الإيرانية السابق محمد حجازي إلى إن إيران قد تأمر الميليشيات المسلحة الوكيلة لها في غزة ولبنان بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، بل إنه افترض ضمناً إلى أن هجوماً كهذا يمكن القيام به بشكل استباقي قبل شن هجوم على إيران، وقد أكد زعماء حزب الله اللبناني أيضاً أنهم سوف يقفون إلى جانب إيران وأي كيان آخر كان قد وقف ضد إسرائيل، ومن بين الجماعات الكثيرة التي ترعاها إيران هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة وحركتي حماس والجهاد الإسلامي والميليشيات المسلحة في العراق، وألوية فاطميون الأفغانية وزينبيون الباكستانية، وثمة علاقات أخرى أقل شهرة مثل روابط إيران مع حركة الشباب المجاهدين فرع تنظيم القاعدة في الصومال.[10]

المصادر

[1] رياض قهوجي، الحرب الهجينة: تطور أساليب حرب العصابات والحرب الثورية في عهد الديجيتال، منتدى الأمن والدفاع العربي، في 15 مارس 2010. (تاريخ الدخول: 10 سبتمبر 2020).
https://bit.ly/33wkBAI

[2] Mehmet Seyfettin Erol – Şafak Oğuz, “Hybrid Warfare Studies and Russia’s Examples in Crimea”, Gazi Akademik Bakış, Cilt:9, Sayı:17, kış 2015, ss. 261- 277.

[3] Understanding Hybrid Warfare, A Multinational Capability Development Campaign Project, Jan 2017. https://bit.ly/2uCAp9f. (Date of Entry: 10 Aug 2020).

[4] فراس إلياس، المشهد الأمني في مضيق هرمز، موقع نون بوست، في 4 أغسطس 2019. (تاريخ الدخول: 10 سبتمبر 2020).
https://bit.ly/37RmtHO

[5] فراس الياس، رؤية في قدرات إيران البحرية… وتحديات غلق مضيق هرمز، مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، في 15 يوليو 2018. (تاريخ الدخول: 10 سبتمبر 2020).
https://bit.ly/2ORHNEk

[6] موقع الجزيرة، يتبع للمرشد ويتحدى أميركا بالبحار.. تعرف على قدرات الحرس الثوري الإيراني، في 21 يوليو 2019.(تاريخ الدخول: 10 سبتمبر 2020).https://bit.ly/2qWEbJf

[7] حسام سويلم، التحليل الإستراتيجي للقوة العسكرية الإيرانية “4-4″، موقع البوابة، في 13 مايو 2013. (تاريخ الدخول: 10 سبتمبر 2020).
https://bit.ly/2OxSYDm

[8] موقع المركز الصحفي السوري، استراتيجية إيران لهزيمة أمريكا في الحرب، في 24 يونيو 2015. (تاريخ الدخول: 10 سبتمبر 2020).
https://bit.ly/2smSwyS

[9] Brian Katz, Axis Rising: Iran’s Evolving Regional Strategy & Non-State Partnerships İn The Middle East, Center for Strategıc & Internatıonal Studıes, Oct 2018. https://bit.ly/35N2w34. (Date of Entry: 10 Aog 2020).

[10] Matthew Levitt, Iran’s Support for Terrorism in the Middle East, Policy Analysis, Washington İnstitute, Jul 2012. https://bit.ly/35MND0q. (Date of Entry: 10 Aog 2020)

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق