محنة المشيشي.. حكومة تونس الجديدة على طريق الاستقالة

ثالث رئيس حكومة في غضون عام واحد ذلك هو السيد هشام المشيشي رئيس الحكومة التونسية الذي حاز على 134 صوتا بمجلس نواب الشعب، وبهذا الاختيار يجد رئيس الحكومة الجديد نفسه أمام مسؤولية تحمل أعباء إرث ثقيل من الإخفاقات التي مُنيت بها السياسة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية وحتى السياسية في ما بعد ثورة الحرية والكرامة التونسية وتجد الحكومة نفسها في مواجهة وزر ثقيل من أوزار تداعيات عقد كامل من فشل المنوال التنموي والسياسي المتبع طيلة هذه المدة.

فهل سيتمكّن رئيس الحكومة العاشر منذ ثورة 2011 من تجاوز معضلات هذا الإرث وهذه الأعباء التي تنوء بحملها الجبال؟ وهل سيتمكن من مواجهة التحديات التي تعترض طريقه؟ وهل هو قادر على خلق توازن سياسي لحكومته في ظل الصراع القائم بين مؤسسة الرئاسة من جهة والبرلمان والفعاليات السياسية من جهة ثانية؟ وهل سيقدر على تلبية رغبات الفاعلين الاجتماعيين ومطالب المحتجين دون الإضرار والفاعلين الاقتصاديين واشتراطات المانحين الدوليين؟.

إن الجواب على هذه الأسئلة المفاتيح يستدعي تشخيصا دقيقا للحالة الاقتصادية والمالية والصحية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد التونسية، ومن خلاله نخلص إلى إمكانيات وفرضيات الحلول.

1- التحدّي الإقتصادي:

تعيش تونس منذ قرابة عقد كامل حالة من الانتقال الديمقراطي والسياسي تباطأ فيه النشاط الاقتصادي وتراجع فيه الاستثمار الخارجي والداخلي وتدهورت قيمة العملة المحلية التونسية وتراجع فيها الإنتاج وغلت فيها الأسعار وتعاظمت المطلبية الاجتماعية وارتفعت فيها المديونية إلى مستوى 93% من الناتج المحلي الإجمالي وازدادت الضرائب ارتفاعا وحدة مع انكماش اقتصادي تجاوز 7% وبطالة ستفوق 20% ومستوى تنمية سلبي وصل إلى %21- ونسبة اقتراض فاقت 5.5مليار دولار( 14 مليار دينار تونسي) زادت هذا الوضع أزمة كوفيد 19 حدّة على حدّة حيث توقف التصدير وأصيب القطاع السياحي بالشلل وشارفت المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الإفلاس وتعرضت المؤسسات الوطنية ومنها الخطوط الجوية إلى ركود كامل وإفلاس حقيقي، ولا نعتقد أن مواجهة مثل هذه التحديات بمقدور عليها من طرف حكومة لا تملك حزاما برلمانيا مساندا وداعما، ولذلك ستجد هذه الحكومة نفسها أمام ضغوط اقتصادية لن تسمح لها بالصمود والبقاء أكثر من بضعة أشهر( 6 أو 8 أشهر).

 

2- التحدي الاجتماعي :

ساهمت الثورة التونسية في فتح شهية المطلبية لدى كافة الفئات الاجتماعية وهو ما دفع الحكومات إلى تلبية الاستحقاقات الاجتماعية كرها ومنها زيادة الأجور وكثرة الانتدابات بالوظيفة العمومية (480 ألف موظف سنة 2010 إلى 700 ألف موظف سنة 2020) وهو ما أثر سلبا في توازن المالية العامة وعدم قدرتها على مواجهة العجز إلا باستعمال آلية الاقتراض والتداين، الأمر الذي دفع الحكومة الى اتخاذ اجراءات عاجلة لوقف الزيادات في الأجور وإيقاف الانتدابات وفتح حوارات مع الأطراف النقابية والتفكير في التفويت الكلي أو الجزئي للمؤسسات العمومية مع زيادة الضرائب ورفع الدعم عن المواد الأساسية وضرب تغول الاقتصاد الموازي الذي اصبح يمثل أكثر من 60% من الاقتصاد الوطني  وتلبية المطالب الاجتماعية، التي عطلت إنتاج النفط والفوسفات وعجزت الدولة عن تحرير منابع إنتاجها من التعويق والتعطيل .

*الحكومة عاجزة عن مجابهة التحديات وسط تفاقم التحركات الاجتماعية بشكل غير مسبوق

ونعتقد أن الحكومة عاجزة عن مجابهة مثل هذه التحديات التي تزداد حدة في الأيام القادمة وتتفاقم التحركات الاجتماعية بأكبر حجم  وأكثر خطورة ولن تقدر الحكومة على اتخاذ إجراءات موجعة تمكنها من الخروج ومعالجة الأزمة الاجتماعية المتعاظمة يوما بعد يوم ولن تقدر على حماية القدرة الشرائية للمواطن ومجابهة زيادة جحافل العاطلين عن العمل في صفوف حاملي الشهائد العليا الذين يهددون دائما بالخروج الى الشارع وتعطيل المناشط.

3- التحدي السياسي:

ولدت هذه  الحكومة من رحم تجاذبات سياسية خطيرة  نسفت بحكومة الفخفاخ وكادت تعصف بالاستقرار السياسي وأتت بالمشيشي الذي عينه رئيس الجمهورية ثمّ اختلف معه قبل حصوله على ثقة البرلمان بسبب بعض التعيينات الوزارية التي استأثر بها رئيس الجمهورية واغضبت بدورها رئيس الحكومة  وهو ما دفع حركة النهضة الحزب الأكبر في البلاد إلى تغيير موقفها من المشيشي والتصويت لصالح حكومته وذلك لسحب البساط برئيس الجمهورية الذي أصبح يتدخل في كل صغيرة وكبيرة وأعلن المواجهة مع حزب حركة النهضة واستهدافها بتوجيه التهم والتهديدات المُبطّنة.

*ولدت حكومة المشيشي من رحم تجاذبات سياسية خطيرة نسفت بحكومة الفخفاخ

وقد استثمرت هذه الحركة الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وفرضت اشتراطات عليه قصد إحداث تغييرات في التركيبة الوزارية وذلك بعد إتمام التصويت عليها ونيلها ثقة البرلمان وهو ما أثار حفيظة رئيس الجمهورية واعتبر هذا السلوك إن حصل يتناقض مع مقتضيات الدستور التونسي وقد خلق ذلك أجواء غير مواتية لتسهيل عمل الحكومة واكسابها التوازن السياسي المطلوب في ظل الصراع المعلن بين الرئيس وحلفائه في البرلمان من الكتلة الديمقراطية (حركة الشعب والتيار الديمقراطي) وكتلة الإصلاح وكتلة تحيا تونس والكتلة الوطنية من جهة ( وبين حركة النهضة وحلفائها (قلب تونس وائتلاف الكرامة وكتلة المستقبل) من جهة ثانية وهو ما ينبئ بسنة برلمانية ساخنة محتدمة قد تعصف بالاستقرار السياسي والاقتصادي والمجتمعي وتنسف بالاستقرار الحكومي في الستّة الأشهر القادمة خاصة إن هذه الحكومة لا تملك حزاما برلمانيا وسياسيا، فضلا عن بدائل اقتصادية متاحة وهي التي اختارت أن تكون حكومة إداريين فحسب .

ثم إن الحزب الأكبر وهو حركة النهضة قد انحشر في مطب التموقع التكتيكي الذي اضطرها لاستجلاب الحكومة إلى حياض دائرة تصرفها وتحركها أو القبول بالمواجهة المعلنة مع رئيس الجمهورية الذي طالما هددها بالمحاسبة والنزال القضائي والأمني والسياسي المباشر.

4- التحدّي الخارجي:

انعكس الوضع الليبي وتداعياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية على الداخل التونسي وأثارت التصريحات المناكفة لرئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وانعكست سلبا على الأداء الدبلوماسي التونسي وعلى العلاقات الدولية بين تونس والأطراف المتداخلة على الخط الليبي وخاصة بعد الإقالة المفاجئة لوزير الخارجية، كما أثّر الموقف الدبلوماسي التونسي بخصوص القضية الفلسطينية في الداخل وفي استقرار الحكومة وثبات نهج الدبلوماسية التونسية وحيادها بعيدا عن الضغوط الدولية والاملاءات الخارجية، وهو ما قد يرشح فرضية نسف استقرار الحكومة في قادم الأيام بسبب خطورة التجاذبات والانحيازات السياسية الدولية المتناقضة للأطراف التونسية حول الملف الليبي وحول الموقف من القضية الفلسطينية وحول الهجرة غير الشرعية التي جلبت امتعاض الجارة الأوربية إيطاليا إزاء تقصير تونس عن كبح ماكينة الهجرة غير النظامية .

5- التحدي المالي:

تعيش المالية العمومية عجزا خطيرا وهو ما أثر على التوازنات العامة وثقة الأطراف الدولية بالحكومات المتعاقبة وهو ما ساهم في تعميق حدة الانكماش الاقتصادي، الأمر الذي دفع الأطراف المانحة إلى تأجيل فتح الحوارات والتفاهمات حول امكانية تمتيع تونس من قروض تمكنها من الخروج من أزماتها الإقتصادية والمالية وهو ما يُعتبر أهم تحدّ في معالجة الأزمة التونسية وهو الآلية المهمّة التي بدونها ستجد الحكومة نفسها أمام إفلاس وعجز كامل عن سداد الديون وخلاص أجور الموظفين في الأشهر الأولى من السنة المالية الجديدة 2021 وإذا أضفنا لكل ذلك تداعيات كورونا على المالية العمومية نكون قد أتينا على الزوايا ودوّرناها في كل الاتجاهات حيث لن تستطيع هذه  الحكومة البقاء والصمود أكثر من ستة أو ثمانية أشهر قادمة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق