كيف سيواجه جوزيف بايدن إرث ترامب في الملف الفلسطيني؟

دكتور أيمن ابراهيم الرقب

ترك الرئيس الأمريكي دونالد  ترامب إرثا ثقيلا لخليفته المنتخب جو بايدن، حيث أحدث ترامب فوضى كبيرة في العالم والمنطقة العربية بشكل خاص، و شوه صورة أمريكا في العالم و أظهرها كدولة تستخدم البلطجة، و قد أصبح على الرئيس المنتخب جو بايدن أن يواجه قائمة طويلة من التحديات، حيث يتعين عليه القيام بعملية صعبة لإعادة صياغة علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالعديد من الدول.

وتعد العلاقات مع الصين هي التحدي الأول والأكبر أمام بايدن، لكن الأمر قد لا يستغرق كثيراً من الوقت لتحسينها، وهناك إيران التي عادت لتكديس الوقود النووي المخصب مرة أخرى.

كما أن تركيا خرجت على قواعد الناتو ومطالب واشنطن وقامت بشراء منظومة صواريخ اس (400 ) من روسيا، إضافة لأزمة الشرق الأوسط التي زاد من لهيبها الرئيس الأمريكي التي شارفت  ولايته على الانتهاء وهي ما ستخصنا في مقالنا هذا .

لكن ماضي الرئيس المنتخب جو بايدن السياسي وعمله كرئيس للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي ونائب الرئيس في إدارة باراك أوباما أعطاه إلماماً بالشؤون الدولية، وهذه الخلفية تكون عاملا مهما جدا لصالح بايدن لمواجهة معظم هذه الملفات.

حَكَمَ ترامب 4 سنوات شطب خلالها الكثير من إرث الرئيس الأمريكي السابق باراك  أوباما السياسي ، وفي 2020 نائب بارك أوباما يصبح رئيساً للولايات المتحدة الامريكية اليوم، وعلى رأس أولوياته، شطب الكثير من إرث دونالد  ترامب السياسي وإعادة الممكن من إرث باراك أوباما داخلياً وخارجياً.

فيما يخص العرب والمنطقة، يُبدي جو  بايدن نيته لاتباع نفس نهج بارك أوباما بخصوص القضية الفلسطينية، ورؤية حل الدولتين، ووقف مشاريع الضم في الضفة الغربية.

الرئيس الأمريكي المنتخب  جو بايدن لن يستطيع إعادة سفارة الولايات المتحدة الأمريكية  من القدس إلى تل أبيب ، وكذلك لن يتغير تجاه رؤيته بالالتزام الصارم بالحفاظ على أمن إسرائيل لكن ربما تكون صفقة القرن قابلة للتعديل حتى يستطيعوا تنفيذها .

ففي مطلع العام الماضي أعلن دونالد ترامب عن صفقة القرن لحل الصراع العربي الاسرائيلي على قاعدة بقاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية،  وفرض سلام على العرب مصحوب بمحفزات ومساعدات اقتصادية للفلسطينيين، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في دول اللجوء،  دون حل الدولتين الذي أقرته اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأقرته كل مؤسسات المجتمع الدولي .

لا شك أن الرئيس جو بايدن سينقض صفقة القرن التي أدانها في أكثر من مناسبة وسيعود لمبدأ حل الدولتين التي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية لسنوات طويلة .

سعى كذلك الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب إلى دفع دول خليجية إلى التطبيع ليس مع إسرائيل، انما مع نتانياهو ومع طموحاته في إلغاء أي رغبة فلسطينية بقيام دولة، كان جزءاً من هذه الفوضى، ذاك أن التطبيع جرى من دون أي أثمان حقيقية، والدافع الخليجي إليه كان الرغبة في الحصول على الطائرات الحربية الأمريكية F35  ، و نيل حماية الولايات المتحدة الأمريكية لها في حال جرت مواجهة مع إيران.

لكن اليوم المشهد مختلف تماماً، وإذا كان التطبيع ثمناً للحماية، فإن إدارة الرئيس جو بايدن وإن بقيت متحمسة له فلن تكون بنفس الاندفاع لجهة تأمين الحماية لدول الخليج .

موقف إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب من القضية الفلسطينية كان شديد الظلم والجور على الحقوق التاريخية

سيطرت حالة من التوتر العلاقة بين القيادة الرسمية الفلسطينية وإدارة ترامب ، وذلك بفعل سياساته شديدة الانحياز لصالح إسرائيل، وتجاهله الكامل للحقوق الفلسطينية، وإجراءاته المستفزة فيما يتعلق بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وطرح صفقة القرن التي تتنكر للحقوق الفلسطينية، وتأييد خطة ضم الأغوار والمستوطنات، وقد تُرجم التوتر في العلاقات بين الجانبين إلى إجراءات عقابية نفذتها إدارة ترامب بحق السلطة، على صعيد وقف المساعدات المباشرة، وإغلاق مكاتب تمثيل منظمة التحرير في واشنطن ، ووقف مخصصات الولايات المتحدة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، والتي كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر الداعمين وأولهم لها على مدار سنوات طويلة .

يوجد عديد من الرؤى التي يرجَّح أن تؤثر في موقف إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن تجاه العديد من الملفات ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، على الرغم من الانحياز الأمريكي التقليدي لوجهات النظر الإسرائيلية، ومن أهمها أن الديموقراطيين يرغبون  في العودة إلى المسار التفاوضي، وتبنيهم مواقف أقل انحيازاً تجاه ملفات الحل النهائي، ضمن سقف الرؤية الأمريكية.

يدرك الديموقراطيون صعوبة إطلاق المسار التفاوضي دون تجاوز أزمة العلاقة مع السلطة الفلسطينية التي تسببت بها سياسات ترامب.

وقد يؤثر رؤى الديموقراطيين  في مواقف الرئيس جو بايدن وسلوك إدارته تجاه القضية الفلسطينية خلال المرحلة القادمة، و يمكن التوقع بتبنى إدارة الرئيس جو بايدن لتوجهات سياسية قريبة من تلك التي تبناها الديموقراطيون في عهد الرئيس أوباما، وأن تسعى لإنهاء حالة القطيعة وخفض مستوى التوتر واستئناف العلاقات مع السلطة الفلسطينية، بما يقتضيه ذلك من حراك دبلوماسي، وإعادة المساعدات الأمريكية للسلطة، وفتح مكاتب منظمة التحرير التي أغلقتها إدارة دونالد  ترامب في الولايات المتحدة، لكنْ، يتوقَّع أن تربط إدارة جو بايدن بين هذه الإجراءات وبين عودة السلطة الفلسطينية إلى المسار التفاوضي.

ومن غير الواضح حتى اللحظة كيف ستؤثر توجهات إدارة جو بايدن المتوقعة في الانفتاح على السلطة ورغبتها في استئناف المسار التفاوضي على سلوك الإدارة الأمريكية تجاه حركة حماس من جهة، وكذلك على سلوك السلطة الفلسطينية تجاه ملف المصالحة، الذي شهد انفراجاً خلال الشهور الأخيرة بتأثير التوجهات المتشددة لإدارة دونالد ترامب تجاه السلطة والقضية الفلسطينية.

ومن المتوقع أن تتبنى إدارة الرئيس جو بايدن نفس الموقف التقليدي للإدارات الأمريكية، الذي لم يختلف كثيراً في عهد ترامب عنه في عهد أوباما، وذلك من خلال مواصلة التعامل مع حركة حماس على المستوى الرسمي كـحركة إرهابية ، تستخدم العنف لتحقيق أهدافها السياسية، مع السماح بالتواصل معها سياسياً بعيداً عن الجانب الرسمي، كما كان الحال خلال عهد أوباما، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حركة حماس جزء من جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، وبالتالي هناك رؤية خاصة للديموقراطيين للتعامل مع الإسلام السياسي  كما كان في عهد الرئيس باراك أوباما وهذا سينعكس  خلال الفترة القادمة على تعامل إدارة الرئيس جو بايدن  مع حركة حماس، مع بعض الخصوصيات المتعلقة بحساسيات الوضع الفلسطيني.

و في ظل هذا المشهد قد نجد قيادة السلطة الفلسطينية تميل للتريث وتهدئة مسار المصالحة الفلسطينية لحين اتضاح آفاق العودة إلى مسار المفاوضات، والتعرُّف على توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة من ملفات القضية الفلسطينية، مع عدم اغلاق ملف المصالحة بشكل كلي وترك الباب موارباً، مع استمرار الاتصال مع الجميع.

صحيح أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قد تنشغل بشكل كبير بالملفات الداخلية، إلا أنها ستظهر حرصاً على تجاوز أزمة العلاقة مع السلطة الفلسطينية، وأن تسعى لجذبها مجدَّداً نحو مسار المفاوضات، وبعيداً عن الاندفاع في العلاقة مع حماس، إلا إذا تلقت ضمانات بأن العلاقة مع حماس يمكن أن تؤثر إيجاباً في موقفها السياسي.

حكومة إسرائيل سوف تتجنب خلال الفترة القريبة اتخاذ إجراءات كبيرة استفزازية على صعيد خطة الضم وزيادة وتيرة الاستيطان

 

وبعد أن أعلنت السلطة الفلسطينية عن عودة ملف التنسيق الأمني مع الجانب الاسرائيلي وعودة العلاقات الى ما كانت عليه قبل التاسع عشر من مايو الماضي فقد تتجنَّب حكومة الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة القريبة اتخاذ إجراءات كبيرة استفزازية، على صعيد تطبيق خطة الضم وزيادة وتيرة عمليات الاستيطان؛ وذلك لاعتبارين مهمين، الأول: عدم الرغبة في إحراج الدول العربية التي طبَّعت العلاقات معها، وتشجيع مزيد من الدول العربية على اتخاذ خطوات مشابهة. والثاني: عدم الرغبة في التصعيد وتوتير العلاقة مع الإدارة الأمريكية الجديدة في وقت مبكر، مع انتظار تحريك الإدارة الأمريكية للملف السياسي وخاصة مع رغبة بعض الدول العربية لرعاية دورة مفاوضات جديدة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي لتخفيف حالة الاحتقان و عودة حالة من الهدوء كما حدث في فترة إدارة الرئيس الأمريكي أوباما و رعاية المملكة الأردنية لمفاوضات فلسطينية إسرائيلية في عام ٢٠١٤ قبل أن تتوقف بشكل نهائي في إبريل من نفس العام .

خلاصة :

إن القادم هو مرحلة انتظار خاصة إذا إنهارت الحكومة الإسرائيلية و تم حل الكنيست الإسرائيلي  والذهاب لجولة انتخابات رابعة، قد تكون في شهر أذار/ مارس القادم ، وبالتالي على السلطة الرسمية الفلسطينية التي قدمت ورقتها الأخيرة مجانا من خلال عودة العلاقة مع الجانب الإسرائيلي دون تغير يذكر على المستوى السياسي والميداني :

١- مواصلة جهود المصالحة مع الفصائل الفلسطينية وإبداء المزيد من الحرص على إنجاحها، وتبني مواقف مرنة لتذليل العقبات التي تعترض طريقها، وتحويلها إلى برامج عملية يتم جدولتها وإنفاذها.

٢- دعوة الإدارة الأمريكية الجديدة إلى احترام إرادة الشعب وحقه في التحرر والاستقلال وتقرير المصير، ودعوة الإدارة الأمريكية الجديدة لتبني سياسات إيجابية عاقلة ومتوازنة تجاه مختلف قضايا المنطقة، بما يسهم في استقرارها وتهدئة التوتر، واحترام حقوق الإنسان، واحترام إرادة شعوب المنطقة في حكم نفسها، وصناعة قراراتها، واستغلال ثرواتها، وأن أي عملية سياسية قادمة يجب أن تقوم على مبدأ حل الدولتين وضمان حقوق الشعب الفلسطيني كما نصت عليها القرارت الدولية دون استعجال أو هرولة تجاه أي حل سياسي.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق