كرة القدم وتأثيراتها في تحديد سياسات ومصائر دول الشرق الأوسط

عندما يذكر اسم كرة القدم في مصر والشرق الأوسط، على الفور يأتي ذكر الاحتلال الإنجليزي، فهو من أتى للبلاد غازيا مستعمرا 1882، ولم يأت بآلياته وعتاده العسكري فقط بل جلب أدوات الترفيه والتسلية المعتادة ومنها كرة التنس والجولف لكبار القادة وأصحاب الرتب العليا (الأرستقراط)، وكرة القدم «اللعبة الشعبية»  للعساكر والعمال، وفي وسط الثكنات التي تمركزت في القاهرة والإسكندرية، وفي محيطها، أنشا الإنجليز إلى جانبها  (الملاعب الترابية)، وبدأوا في أوقات ما بعد العصر يوميا في ممارسة رياضتهم المفضلة، وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها المصريون ما يسمى بكرة القدم  «قوتبول»، ليلتف الشيوخ والشباب والصبية حول الملاعب التي أنشأها المستعمر، وسرعان ما تفاعلوا مع لاعبي الفريقين، رغم عدم معرفتهم بالقوانين المنظمة للعبة، إلا أن الفضول كان وراء اهتماماتهم يوميا، وهم يشاهدون الكرة تلج المرمى أمامهم، والفرحة تعلو وجه اللاعب المسجل للهدف، متلقيا فرحة زملائه اللاعبين، ومن هنا بدأت مشاعرهم تتحرك «غيرة»،  مما يفعلوه هؤلاء الغرباء على أرض بلادهم من رياضة تبدو ممارستها غاية في السهولة واليسر.

مابين الرفض والقبول

ورغم الانبهار الذي أبداه المصريون  لكرة القدم وحرصهم على مشاهدة الإنجليز وهم يداعبون هذه «القطعة الجلدية المدورة»، هكذا كانوا يطلقون عليها، يؤكد مهتمون بتاريخ كرة القدم في مصر أنّ اللعبة الجديدة لاقت رفضًا من بعض الأهالي والمثقفين ممن رأوا فيها أداةً بيد المستعمر لتلهية المجتمع وإفساد بيئته المحافظة، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك ووصفوا قرار وزير المعارف في مصر سنة 1892 محمد زكى باشا، بادخال الرياضة ومعها كرة القدم في مناهج المدارس، بأنه يأتي في سياق ضرب منهج التعليم وإعاقة خلق الوعي والمعرفة لدى طلبة مصر، واعتبروا القرار خطة من اللورد كرومر (المندوب السامي البريطاني في مصر)، يهدف من وراءه إلى منع صناعة نخب محلية ترفع لواء التحرر.

البداية الفعلية لممارسة المصريين لكرة القدم بدأت بعد مشاهدة مباريات جنود المحتل وبدأ التفكير في تكوين فرق «الخرابات»

ذات الأمر، دفع بأمير الشعراء أحمد شوقي لأن يهجو كرومر بقصيدة شهيرة قال فيها: «أيامكم أم عهد إسماعيلا أم أنت فرعون يسوس النيلا؟ قالوا جلبت لنا الرفاهة والغنى جحدوا الإله وصنعه والنيلا هل من نداك على المدارس أنها تذر العلوم وتأخذ الفوتبولا؟.

البداية

البداية الفعلية لممارسة المصريين لكرة القدم، بدأت بعد مشاهدة مباريات جنود المحتل، ليأخذ الشباب المصري الحماس، وبدأ في تكوين الفرق الصغيرة في الحارات «الخرابات»، بأسلوب بدائي كثيرًا ما تغلب عليه حالة من البلطجة الكروية وتنتهِ بمعارك عنيفة وإصابات بالغة، ومع بزوغ الأندية المدرسية بدأت فرق الأحياء في الاندثار أو إعادة التشكل لتخلق نواد أكثر انضباطًا إلى أن جاءت سنة 1895 لتشهد مصر تاريخ أول مباراة حقيقية.

وتكمن أهمية هذه المباراة في توقيتها الدقيق، حيث ألغى الإنجليز الدستور المصري وسرح جيشها وهدم قدرتها على المقاومة، فيما غيّب الموت بعضًا من ثوارها وفرسانها واستسلم الأعيان والمثقفون والحكومة والخديوى إلى الإنجليز خوفًا من بطشهم وطلبًا لرضائهم، وفي تلك السنة أُقيمت المحكمة الخاصة لمحاكمة المصريين بعد حادثة أهالي الإسكندرية والبحارة الإنجليز، وثار أهالي السيدة الزينب تُجاه المستعمر في هذا الجو المشحون، سطّر «محمد أفندي ناشد» أولى فصول الكرة و«الثورة»  في كتاب التاريخ، فالشاب المولع بالرياضة لم يخلد اسمه بأهدافه ومهاراته بل بتأسيسه لفريق محلي (التيم المصري) هزم الإنجليز (الأورانس) 2 / صفر.

وللتاريخ، فإنّ المباراة لم تكن بمنطق الثأر من المستعمر بقدر ما كانت تشكل لدى محمد أفندي فرصة لتجميع الأهالي حول نادِ محلي ينوب كل المصريين، لكن صافرة نهاية المباراة أذنت بميلاد وعي جديد على أكثر من صعيد، فالصحف التي كانت تحجب أخبار كرة القدم في السابق بإعتبارها آداة من اللهو لصرف أعين المصريين عن أهداف الغزاة الإنجليز، تغنت بالإنجاز، فيما احتفت المدارس والمقاهي والحواري بالنصر، واكتشف المصريون حينها أنّ هزيمة الإنجليز ممكنة، ومن تلك اللحظة بدأت كرة القدم كأداة سياسية، بأن الفووز على الإنجليز في الميدان، فوز يرضي غرور العامة، بأنهم تفوقوا في جانب رياضي طالما غاب عنهم قدرتهم العسكرية على إخراج هؤلاء المستعمرون.

غلب العنف والبلطجة الكروية في المباريات الشعبية الأولى وانتهت بمعارك عنيفة وإصابات بالغة

كغيرها من البلدان العربية عرف المصريون الأندية من خلال الاستعمار، في القاهرة والإسكندرية وفي محافظات أخرى في القناة، وبرزت فكرة إنشاء الفرق في السنوات الأولى للقرن الـــ 20، فظهر نادي الجزيرة في العاصمة المصرية سنة 1882، وسبورتينج في الإسكندرية 1889، والسكة الحديد كأقدم نادِ مصري مؤسسي بالمعنى الحرفي مشابه للأندية الإنجليزية وتأسس 1903، وتبعه النادي الأولمبي السكندري في الأسكندرية 1905، وخلفهم الأهلي المصري 1907، ومن بعده نادي «قصر النيل» ومن ثم تحول اسمه لــ«المختلط» نسبة إليه المحاكم المختلطة «الزمالك» ، مع اختلاف نشأة كل نادي حيث ضمت جميع الأندية التي تم تأسيسها، من مؤسسين مصريين وإنجليز على حد سواء.

فاروق والمختلط

لعبت الصدفة دورا مهما عندما حضر الملك فاروق ملك مصر والسودان مباراة جمعت النادي المختلط بالنادي الأهلي عام و1941  في نهائي كأس مصر المسابقة الأعرق التي بدأت منافساتها عام 1921  وفاز الأول على الثاني بنتيجة 6-0.، وفاروق جالسا في المنصة الرئيسية وبجانبه محمد حيدر باشا وزير الحربية، ليبهره أداء لاعبي المختلط، ليخرج إلى سراي القبة مقر إقامته، وفي اليوم الثاني أعلن عن مرسوم ملكي بتغيير اسم النادي المختلط إلى نادي فاروق، ليطلق على النادي من وقتها النادي الملكي، نسبة إلى فاروق ملك مصر والسودان.

عبدالناصر والأهلي

بعد مرور 11 عاما على فوز المختلط  (فاروق) على الأهلي بسداسية، قام الضباط الأحرار بثورة يوليو 1952، وبعد ابعاد رئيس مصر محمد نجيب عن السلطة وانفراد جمال عبدالناصر بالحكم، بدأ التفكير بقوة في شعبية الأندية الرياضية، ليعلن الرئيس عبد الناصر قبوله الرئاسة الشرفية للنادي الأهلي في 17 يناير سنة 1956 تقديرًا للدور الوطني الذي لعبه الأهلي في مساندة الثورة وتدريب الفدائيين، وزار ناصر في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1960 مقر النادي وصحب معه ملك أفغانستان لمشاهدة مباراة دولية في الهوكي (تجد رواجا في أفغانستان)، أقيمت على ملعب الأهلي وكان وقتها الاقتصادي الكبير أحمد عبود باشا رئيسًا للأهلي، وبعد ثورة يوليو 1952 تغير اسم نادي فاروق مرة ثالثة إلى اسمه النهائي، وهو نادي الزمالك.

صراع الوطنية بين الناديين الكبيرين

رغم مرور أكثر من قرن وعقد من الزمن، مازال الصراع مشتعلا بين ناديي الزمالك والأهلي، عن النادي الذي لعب دورا مهما في الحركة الوطنية المصرية، امتد صراع الهوية بين جماهير الأهلي والزمالك ليصل إلى معايرة أحدهما الآخر بتاريخ مؤسسي الناديين، فالأهلي أسسه عمر لطفي بك عام 1907، وأخد اسم الأهلي لأنه نشأ لخدمة طلبة وخريجي المدارس العليا الذين كانوا الدعامة الأساسية للثورة ضد الاحتلال الإنجليزي، إلا أن تأسيس الأهلي بحسب الكاتب التركماني «أورخان  محمد علي» في كتابه  «السلطان عبدالحميد حياته وأحداث عصره»، يعود إلى تأسيسه واختيار اللون الأحمر شعارا له والنسر إلى أحد أهم أعضائه المؤسسين الذي دفع اشتراك عضوية وقت تأسيسه 1907 ، بمبلغ وقدره 500 جنيه، وهو مبلغ ضخم وقتها، وهو  إدريس بك راغب رئيس المحفل الماسوني المصري، تيمنا منه بشعار الماسونية الأحمر، وهو ما يتنصل منه محبي النادي دائما.

عبد الناصر فطن لأهمية الأندية في حشد الجماهير فقبل رئاسة الأهلي الشرفية

ورغم ارتباط جمال عبدالناصر القائد الثوري بالنادي، إلا أن جماعة الإخوان ومؤسسها حسن البنا 1928، سعت من البداية عبر أعضائها للتمسح بالنادي، وأعلن «البنا» أنه ينتمي لهذا النادي العريق، وإن كان ذلك غير مثبت تاريخيا، إلا أن الكاتب الصحفي ياسر أيوب وعبر برنامجه في قناة الأهلي التلفزيونية 2012 ، خصص حلقة كاملة للاحتفال بحسن البنا في ذكرى مولوده متغنيا بوطنيته وانتمائه للنادي الأحمر، وامتدادا لمن يسبق في العمل الوطني، في عام 1943 تلقى الأهلي دعوة من بعض الأندية الفلسطينية لتعزيز موقفها في مواجهة الأندية الصهيونية، وقتذاك رفض اتحاد الكرة سفر بعثة الأهلي إلى فلسطين بضغط من السلطات البريطانية، إلا أن «مختار التتش»، لاعب مصر وأسطورة الأهلي، جمع فريق الأهلي وسافر بصورة غير رسمية بمساعدة فؤاد سراج الدين، وزير الداخلية الذي استخرج للاعبين تصريحًا بالسفر للعب في فلسطين ضاربًا بقرار الملك فاروق واتحاد الكرة عرض الحائط، مما ترتب عليه شطب الأهلي وحرمانه من المشاركة في النشاط المحلي لـ 8 أشهر، وسافر الأهلي تحت مسمى «شباب القاهرة»، وتم استقبالهم في فلسطين استقبال الأبطال، من قبل أمين الحسيني المفتي العام للقدس، ولعب النادي 5 مباريات في رحلة استمرت 23 يوما رغم أنه كان من المفترض أن يلعب مباراتين فقط.

مع أول فوز للمصريين في مباراة ضد الإنجليز بزغت فكرة أن هزيمة الاحتلال ممكنة

فيما مازال محبي النادي الأهلي يعايرون عشاق الزمالك بأن أول رئيس لناديهم يهودي بلجيكي يدعي «جورج مرزباخ» وهو ما يثير حفيظة الزملكاوية دائما، رغم أنّ مجلة الأهرام الرياضي وبقلم الكاتب علاء عزت أكّد على أن البلجيكي جورج مزرباخ الذي شغل منصب رئيس لإحدى المحاكم المختلطة في مصر قبل تأسيسه لنادي الزمالك، كان واحدًا من أبناء الجاليات اليهودية الكبيرة في مصر وكان اليهود وقتذاك شركاء في جميع المؤسسات الكبرى في مصر، لم تربطه أي صلة بالكيان الصهيوني، إلاّ أنّ الجيل الجديد من جماهير الكرة المصرية يصر على التنصل من تاريخ مؤسسيه، وفي هذا الصدد أيضا يقول الكاتب حسن المستكاوي عبر برنامجه التلفزيوني، إن الزمالك تّمصر عام 1914 وترأسه المصري محمد بدر 1917، فيما تّمصر الأهلي عام 1918، رغم تولى عبدالخالق ثروت رئاسته في عام 1916 ، وفي كل الأحوال لم يكن الناديان الكبيران سوى قلعتان للوطنية.

تحولات وتغييرات وأدلجة الأندية

يقول الكاتب جيمس دورسي إن ملاعب كرة القدم في الشرق الأوسط ومصر وشمال إفريقيا، على مدار العقود الأخيرة في القرن العشرين، تحولت إلى ميادين معارك للحقوق السياسية والعمالية، فضلاً عن قضايا الهوية الوطنية والإيديولوجية والعرقية.

لقد تأسست معظم نوادي كرة القدم في المنطقة وهي تحظى ببعض التوجهات والميول السياسية أو الأيديولوجية، سواء كانت مؤيدة للاستعمار أو مؤيدة للملكية أو قومية أو غير ذلك، وفي مصر، هناك ناديان يتمتعان بنفوذ هائل – وهما الأهلي والزمالك، وقد كان الأول موطناً للطلاب الذين أصبحوا ثوريين في وقت لاحق؛ بل إن الأمر انتهى بأن يتزعم الرئيس جمال عبدالناصر النادي بنفسه، وفي المقابل كان الزمالك مرتبطاً بالحركات المؤيدة للملكية واليوم تغيرت ديموغرافيا القاعدتين الجماهيريتين بقوة، وعلى سبيل المثال في مقابلة بين الفريقين عام 2010، وصف لاعب الكرة المصري الشهير إبراهيم حسن نادي الزمالك بأنه «نادي الملوك»، رغم أنه وُلد عقب الإطاحة بآخر ملوك مصر بسنوات.

تحولت ملاعب كرة القدم في الشرق ألأوسط ومصر وشمال إفريقيا في القرن العشرين إلى ميادين معارك للحقوق السياسية والعمالية

كما أن الاتجاهات في ملاعب كرة القدم يمكن أن تكون مؤشراً على الأحداث المستقبلية، ففي الأردن، اكتسبت التصريحات المنتقدة صراحة لفساد العائلة الملكية زخماً للمرة الأولى في ملعب كرة القدم 2013، كما أن هناك صراعا خفيا بين ناديي الوحدات والفيصلي/ حيث يعتبر الأول معبرا عن الهوية الفلسطينية فيما يعبر الثاني عن الهوية الأردنية، وفي مباريات كرة القدم السعودية، يواجه عديد من الأمراء بصيحات الاستهجان، ويرشقون بمختلف الأشياء، ويرغمون على مغادرة الملاعب كلية في بعض الأحيان، وربما كان عزل رئيس «اتحاد كرة القدم السعودي» 2012 المرة الأولى التي يُرغم فيها عضو من العائلة الملكية على الاستقالة من منصبه بسبب ضغوط جماهيرية.

وعلى الرغم من أن لاعبي كرة القدم أنفسهم نادراً ما يشتركون في احتجاجات سياسية، إلا أن الرياضة تستثير نوعاً من العواطف التي يمكن أن تثير مثل تلك الإجراءات، ففي إيران، كان نادي كرة القدم الرئيسي في «تبريز» رمزاً هاماً للهوية العرقية الأذربيجانية؛ ومؤخراً، كانت القوة الدافعة وراء المظاهرات المطالبة بتوحيد محافظة أذربيجان الشرقية في إيران مع جمهورية أذربيجان التي كانت تابعة للإتحاد السوفيتي سابقاً.

وفي طهران أيضا، تحول احتفال أقيم لإحياء ذكرى لاعب كرة القدم الراحل ناصر حجازي، الذي كان منتقداً صريحاً للرئيس محمود أحمدي نجاد، إلى مظاهرة حاشدة ضد الحكومة، وعلاوة على ذلك، غالباً ما تحل الانتخابات الرئاسية الإيرانية على مقربة من وقت تصفيات إيران النهائية المؤهلة لكأس العالم؛ وفي بعض الحالات، دفعت الاحتفالات بانتصارات الفريق الوطني بالمواطنين إلى انتهاك الأعراف الاجتماعية وإقامة احتجاجات مناهضة للنظام، كما يمثل نادي شبيبة القبائل الجزائري (جيت تيزي أوزو)  سابقا ولاية تيزي أوزو ذات الأغلبية القبائلية الأمازيغ ، ويعد مشجعوه الأكثر تعصبا في الجزائر، ودائما ما تشتعل الاحتجاجات في هذه الولاية لتمتد غلى بقية ولايات الجزائر.

تطلع القادة الجهاديون في المنطقة إلى فِرق كرة القدم كأداة للحشد وترتبط العديد من المساجد الإسلامية بأندية محددة

ويتطلع القادة الجهاديون والعقائديون في المنطقة إلى فرق كرة القدم كأداة للحشد، وترتبط العديد من المساجد الإسلامية بأندية محددة، كما أن الشخصيات المقاتلة – مثل أسامة بن لادن، وزعيم «حزب الله» حسن نصر الله، والقيادي في حركة «حماس» اسماعيل هنية – فطنوا للدور الذي لعبته الرياضة في تجنيد الأتباع وتسهيل الروابط بين أولئك الذين ينفذون العنف في مراحل لاحقة.

الإخوان والأندية تاريخ من الشراكة

ترسيخا لأفكار المؤسس حسن البنا وارتباطه بالأهلي في القرن الماضي، حرص المنتمين للتنظيم الأخطر في مصر على الإنتماء للنادي الأهلي، بل إن قيادات في الجماعة ضلعت في تمويل صفقات النادي من لاعبين ومدربين، أبرزهم صفوان ثابت الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالتنظيم، ومع اندلاع ثورة 25 يناير، ظهر للسطح رموز شهيرة مثل اللاعبون محمد أبوتريكة وهادي خشبة وسيد عبدالحفيظ ونادر السيد وأعلنوا عن تأييدهم للإخوان وانتخاب الدكتور محمد مرسي كرئيس منتخب لمصر، ولهم شرائط فيديو مصورة، إلا أنهم سرعان ما أخفوا ذلك وتنصلوا مما سبق وصرحوا به، بعدما وجدوا أنفسهم أمام مسائلات قانونية عقب ثورة 30 يونيو، والإعلان عن جماعة الإخوان المسلمين «جماعة إرهابية».

ظهرت خطورة جماهير كرة القدم بعدما تحولت اتجاهاتها لبوصلة لقياس وتحريك الرأي العام

وبحسب سياق الأحداث فكرت جماعة الإخوان، في تشكيل ناديها الخاص في عام 2011، ولو استتب لهم حكم مصر لكان هناك نادي رياضي إخواني الآن، وربما رأيناه منافسا قويا، حيث كان من المقرر تمويله بشكل قوي جدا، ليصبح أحد أندية القمة في مصر، في حين أن  «حزب الله» وغيره من الجماعات لديهم فرقهم الرياضية الخاصة ويعملون على إدارتها بالفعل في لبنان.

كما كانت الرياضة ميدان معركة هام لحقوق المرأة، فقد عملت سحر الهواري، ابنة الراحل عزت الهواري، أحد أشهر حكام كرة القدم المصريين القرن الماضي، على تفكيك المعارضة الإقليمية لكرة القدم النسائية بإقناع العائلات والنوادي والحكومات على السماح للنساء بتنظيم فرقهم الخاصة، كما أقامت شراكة مع الأمير علي في الأردن لإقناع الدول الأعضاء في «اتحاد غرب آسيا لكرة القدم» بإعلان أن المرأة لها حق متساوٍ في اتخاذ كرة القدم كمسار مهني.

صعود «الألتراس» في مصر

في الفترة من 2004 إلى 2006 تقريباً، نمت لدى مشجعي كرة القدم في الشرق الأوسط، فكرة الولاء المطلق لأنديتها والتعبيرعن ذلك في كل مناسبة، فظهرت في المدرجات «كيانات» الألتراس، كمثيلاتها في الخارج.

مبارك أول من استغل ظاهرة الألتراس لخدمة أهداف النظام

ونظر «الألتراس»،  إلى اللاعبين والمدربين كانتهازيين أو فاسدين؛ وقد دفعتهم هذه الحقيقة وغيرها إلى تكوين شعور قوي بالمُلكية على أنديتهم.

إن النفوذ المتنامي لـ «الألتراس» شكل تحدياً لسلطة بعض الأنظمة، لكنه قدّم لها فرصاً كذلك، فقد سعى زعماء مثل أحمدي نجاد والرئيس المصري الراحل حسني مبارك والرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي إلى توثيق انتماءات الجماهير بفرقهم القومية من أجل حشد شعبيتهم الهائلة، وعلى وجه الخصوص، استغل مبارك الرياضة لصرف الانتباه عن سوء الإدارة الحكومية واستغلال العواطف الوطنية، ونتذكر جميعا مباراتي مصر والجزائر الفاصلتان في تحديد الفريق الصاعد لكأس العالم 2010 ، وما شابهما من تجاذبات سياسية بين البلدين، واستغلال جمال مبارك لجماهير الألتراس وقتها وفي النهاية بعد أزمة سياسية بين البلدين قرر الفيفا إقامة المباراة الفاصلة بــ«أم درمان»  بالسودان وفيها فازت الجزائر بهدف نجمها كريم زياني لتصعد لنهائيات كأس العالم وتخرج مصر.

وفي الوقت نفسه، طالبت جماعات «الألتراس» في مصر بجرأة الحصول على الملكية على أنديتها، وبحلول عام 2007 كان هولاء المشجعون يتصادمون مع قوات الأمن بشكل أسبوعي، سواء في ملعب كرة القدم أو مكان آخر.

وبحلول عام 2011، مثّل الألتراس عشرات الآلاف من الشباب أصحاب المستويات التعليمية الضعيفة والعاطلين عن العمل الذين كانوا مستاءين من النظام ورأوا فرصة للرد، وما أن بدأت الثورة حتى لعب «الألتراس» دوراً جوهرياً في كسر حواجز الخوف أمام الحشود – فقد خاطبوا المصريين الذين لم يجهروا مطلقاً بمعارضتهم ضد الحكومة، ودفعوهم للمشاركة في المظاهرات في «ميدان التحرير»، وضغطوا عليهم لكي يبقوا في الشوارع عند قيام قوات الأمن بأعمالها القمعية.

وعقب الإطاحة بمبارك، فقد «الألتراس» الكثير من نفوذهم العام، بيد أن أعمال الشغب التي وقعت في ملعب كرة القدم في بور سعيد في فبراير عام 2012 وأسفرت عن مقتل 74 شخصاً أشعلت التعاطف تجاه الـ «ألتراس» مرة أخرى، مما أوقد شرارة التمرد في المدن الواقعة على البحر الأحمر وقناة السويس.

قطر والإمارات وصراع لا يتوقف

تتجه دول الخليج العربي إلى الاستثمار في أندية كرة القدم الأوروبية، وتدفع أموالًا طائلة للحصول على توقيع أحد نجوم المستديرة واللعب ضمن فرقها، والسعي لخلق وتقوية العلامات التجارية التابعة لتلك الدول وللأندية نفسها، كقوة ناعمة ولهذا دفعت دول الخليج مليارات الدولارات للاستحواذ على أندية أوروبية، وضخت ملايين أخرى في سبيل تحقيق البطولات، وعلى رأس هذه الأندية باريس سان جيرمان الفرنسي، المملوك من قبل صندوق قطر السيادي، ونادي مانشستر سيتي الإنجليزي، المملوك لمنصور بن زايد آل نهيان، شقيق رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الحالي، وابن رئيسها السابق، وهو صراع خفي بين الدولتين عن أيهما أكثر سيطرة ونفوذا وقوة  في حصد البطولات في الصحافة الغربية، وهو ما نجح فيه بالفعل فحق النادي الإماراتي مانشستر سيتي عدة بطولات محلية بقيادة مدربه الشهير الإسباني جوارديولا، ورغم تألقه محليا إلا أنه فشل أوروبيا بالتتويج بدوري الأبطال، فيما نجح باريس سان جيرمان القطري إلى الصعود لنهائي دوري أبطال أوروبا 2020 ليواجه بايرن ميونخ الألماني قبل أن يخسر اللقب، وتعد أكبر صفقة للتعاقد مع لاعب في التاريخ هي من أبرمتها قطر بالتعاقد مع النجم البرازيلي نيمار، قادما من برشلونة بعد دفع الشرط الجزائي البالغ 222 مليون يورو، ليكون لاعبا في النادي الباريسي باريس سان جيرمان، لتوجه الصحافة الغربية انتقادات لاذعة لقطر واعتبرت ما يجري ضد اللعب المالي النظيف.

المال الخليجي لشراء أندية أوروبا وتنظيم الفعاليات الضخمة كان وسيلة لتبييض سمعة الحكومات

واعتبرت صحيفة «الجارديان» البريطانية، في 5 من أبريل/ نيسان 2016، أن الاستثمارات الخليجية في كرة القدم الأوروبية، وأنواع الرياضة الأخرى، لا ينفصل عن الصراع السياسي والثقافي بين قطر والإمارات، ففي الوقت الذي فازت قطر بحق تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم، كأول دولة في الشرق الأوسط تتولى هذه المهمة منذ بداية كأس العالم في عام 1930، استطاعت الإمارات استضافة جائزة “فورمولا 1” لسباق السيارات، وبنت فرعًا لمتحف اللوفر في العاصمة أبو ظبي.

التوغل القطري لم يتوقف على استحواذ الدولة النفطية على النادي الباريسي، إذ تشير “ الجارديان” إلى أن الدوحة دفعت 607 ملايين يورو مقابل حقوق بث الدوري الفرنسي لأربع سنوات، بين عامي 2012 و2016، وارتفعت إلى 726 مليونًا عند تجديد العقد من 2016 حتى 2020، وهذا ما أدى إلى ضخ الأموال لتطوير كرة القدم الفرنسية نفسها، بحسب الصحيفة.

ويعتمد ناديا باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي على الدعم الحكومي المباشر المقدم لهما من قبل حكومتي الإمارات وقطر، عبر هيئات ومنظمات حكومية.

وبحسب «جارديان»  حصل باريس سان جيرمان على 200 مليون يورو مقابل توقيع اتفاقية رعاية مع هيئة السياحة القطرية، وهو شيء مشابه لما تفعله هيئة أبو ظبي للسياحة مع نادي مانشستر سيتي.

ويستحوذ منصور بن زايد، شقيق رئيس دولة الإمارات، عبر مجموعة «سيتي غروب»، على ناديي نيويورك سيتي في الولايات المتحدة الأمريكية، وملبورن في أستراليا.

السعودية تضخ المال.. لماذا؟

الترويج للدول عبر الاستثمار في الرياضة الأوروبية، التي تعتبر أحد أكبر الأسواق وصاحبة الجماهيرية الكبرى حول العالم، ليس خفيًا، إذ نشر الموقع الإلكتروني لقناة العربية السعودية، باللغة الإنجليزية، تقريرًا ذكر فيه أن استثمار دول الخليج العربي في هذا السوق، يأتي للترويج للبلد المستثمر، وتهدف دول الخليج العربي لإعادة «صياغة سمعتها» في الخارج عبر كرة القدم، وما يؤكد على هذا الكلام، التوجه السعودي بإشراف من ولي السعودي محمد بن سلمان للإستحواذ على نادي نيوكاسل العريق، بشرائه بعد الإتهامات التي طالته بأنه وقف شخصيا على إغتيال الكاتب الليبرالي جمال خاشقجي في سفارة بلاده في إسطنبول، إلى أن الصفقة مازالت ترواح مكانها بعد الهجوم التي شنته الصحافة البريطانية على بن سلمان والمملكة العربية السعودية.

كما استثمرت المملكة العربية السعودية مئات الملايين من الدولارات لاستضافة أحداث رياضية مهمة على المستوى العالمي، فاستضافت «كلاسيكو العالم» الذي جمع بين الأرجنتين والبرازيل في عام 2019، وتلته استضافة مباريات بطولة كأس السوبر الإسباني في كانون الثاني الماضي، عدا عن استضافتها عددًا من النزالات العالمية التي جمعت أبطال الألعاب القتالية «المصارعة الحرة»، ودفعت عليها ما يقارب 50 مليون دولار، التي أشارت إلى محاولات المسؤولين السعوديين «عرض البلاد على الساحة العالمية وتغيير المفاهيم العامة عنها».

وقالت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، عبر موقعها الإلكتروني، إن السبب الرئيس لقبول الاتحاد الإسباني إقامة البطولة في السعودية هو الأموال، بينما تحاول المملكة تنظيم الأحداث الرياضية وجذب الزوار لتنويع اقتصادها القائم على النفط فقط.

وفي تقرير نشرته صحيفة “AS” الإسبانية، في 7 من يناير الماضي، قالت إن السعودية دفعت 120 مليون يورو للاتحاد الإسباني لقاء تنظيم البطولة حتى عام 2022.

كما اشترى رئيس هيئة «الترفيه» في السعودية، تركي آل الشيخ، نادي ألميريا الإسباني، عام 2019، وحاول استقطاب لاعبين جدد لنقله إلى الدرجة الأولى.

كما أشارت «فاننيشال تايمز» إلى محاولات السعودية المتكررة لإصلاح صورتها الخارجية، خاصة بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصليتها باسطنبول في عام 2018، ونقلت عن ناشطين معارضين سعوديين أن محاولات السعودية ودول الخليج ضخ الاستثمارات وبناء سمعتها الخارجية، تأتي لـ«غسيل» ملفات انتهاكات حقوق الإنسان، بحسب الصحيفة.

الجدل حول كأس العالم الذي تنظمه قطر

بينما تتقدم الدول الأخرى بعروضها لاستضافة كأس العالم من أجل إبراز نفوذها وخلق فرص لمواطنيها وتحسين البنية التحتية، تُركز قطر على سعيها لاستضافة كأس العالم 2022، وهي مبادرة كانت وراءها دوافع أمنية، فبعد غزو العراق للكويت عام 1990، علمت قطر أنه لا يمكنها الاعتماد على مظلة الدفاع السعودية، ورغم استيرادها كميات كبيرة من الأسلحة واستقبالها أفراد أجانب للمشاركة في قواتها المسلحة، إلا أن الإمارة الصغيرة لا تزال تفتقر إلى القوة الخشنة المطلوبة للدفاع عن نفسها، ومن ثم تمثل كرة القدم أداة قيمة للقوة الناعمة وهبة للأمن الوطني.

بيد أن حملة قطر لاستضافة «كأس العالم» تعرضت لتدقيق وتمحيص مكثف، وعلى الرغم من أن البلاد تواجه قضايا داخلية كبرى، لا سيما فيما يتعلق بالعمالة، إلا أن كثير من الجدل الذي أحاط بعرضها نبع من الحسد والتحيز.

فالقطرييين لم يتوقعوا طوفان الانتقاد الذي تعرضوا له، وعلى كل حال، فقد لاذ عديد من أفراد المجتمع الدولي بالصمت لسنوات بشأن المخاوف المرتبطة بالعمال الأجانب في قطر؛ كما أن الاتحادات التجارية الدولية القوية لم تؤكد نفسها حقاً إلا بعد أن اكتسب عرض البلاد زخماً.

وفي أي حال، تحاول الإمارة معالجة مخاوف العمالة هذه، من خلال إقامة شراكة مع دول المصدر مثل سري لانكا وبنغلاديش لتأكيد عدم استغلال المهاجرين على يد الوسطاء.

الخلاصة

توصف الرياضة بأنها حق من حقوق الإنسان، وتعرَّف بأنها مجموعة من الحركات المتناغمة التي يشكل مجموعها نشاطاً جسمانياً مقنناً ومفيداً، هذا على صعيد الممارسة الفردية، وعندما يتوسع الأمر أكثر تصبح الرياضة نشاطاً اجتماعياً لعله من أكبر وأهم ما أوجدته البشرية من انفعاليات ونشاطات وأكثرها جذباً للاهتمام، كما تعرف السياسة بأنها «فن الممكن» أو بأنها العمليات التي ينطوي عليها السلوك الإنساني والتي يتم عن طريقها إنهاء حالة الصراع بين الخير العام ومصالح الجماعات.

وتوصف الرياضة بأنها قامت على مبادئ مثالية، بينما توصف السياسة بأنها لا تعتمد غالباً على المشاعر أو الأخلاق العامة بل كثيراً ما تتجاهلهما تطبيقاً لمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، وعندما يتقاطع الاثنان أو يجتمعان ماذا يكون الناتج؟ هل تصبح الرياضة وسيلة تستغلها السياسة لغايات متعددة؟ وهل تصلح الرياضة ما تفسده السياسة كما يقولون؟ ثم هل من الضروري أن تكون ثمة علاقة بينهما؟ وإن وجدت فهل يجب أن تكون علاقة أخذ واستغلال من جانب وعطاء وتصحيح من جانب آخر؟، هذا بالفعل هو الواقع.

هناك كثيراً من الآراء التي ترى أن تداخلات السياسة لطالما أضعفت من مستوى الرياضة عربياً وأثرت عليها سلبياً، ولن تكون هناك استقلالية في المستقبل القريب للرياضة المصرية خاصة والعربية عامة، وستبقى السياسة مهيمنة إلى عقود كثيرة قادمة، طالما بقت الأنظمة الشمولية وحكم الأسر قائما.

مراجع

  • كتاب «العالم المضطرب لكرة القدم في الشرق الأوسط» ــ  الكاتب الأمريكي جيمس دورسي.
  • نشأة الأهلي والزمالك ـ «حلقات تلفزيونية» ــ   الكاتب حسن المستكاوي
  • كتاب «السلطان عبدالحميد حياته وأحداث عصره»-  الكاتب التركماني أروخان محمد علي.
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق