حل الدولة الواحدة ورقة أخيرة لإنقاذ عملية السلام فى الشرق الأوسط

دكتور أيمن ابراهيم الرقب

بعدما استمر حل الدولتين الخيار الأفضل دوليا منذ تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي عام ١٩٤٨، بناء على قرار التقسيم ١٨١ الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر عام ١٩٤٧م، والذي نص على قيام دولة يهودية على ٥٢ بالمائة من أرض فلسطين التاريخية مقابل قيام دولة عربية على ٤٦ بالمائة من أرض فلسطين التاريخية مع منح مدينة القدس حالة خاصة تتبع لنظام إدارة دولية.

إلا أن الاحتلال الإسرائيلي استند على هذا القرار للحصول على شرعيته واحتل قرابة ٧٨ بالمائة من أرض فلسطين التاريخية عام ،١٩٤٨ وبذلك تجاوز قرار التقسيم وأسس لمرحلة جديدة من الصراع أمام عجز دولي وانحياز أمريكي لوضع حد للاحتلال الإسرائيلي، الذي زادت مطامعه في ضم أراضي تتجاوز قرار التقسيم، فاحتل عام ١٩٦٧ أراضِ مصرية وسورية وأردنية ولبنانية رافعا شعار أن حدود دولة اسرائيل على أخر أرض يطأها جندي إسرائيلي .

إسرائيل تسند على قرار  التقسيم 181 واحتل قرابة ٧٨ بالمائة من أرض فلسطين التاريخية عام ١٩٤٨

لقد مثّل الاتفاق المصري الإسرائيلي ( كامب ديفيد ) عام ١٩٧٨م إلى تغيير هذه الرؤية الإسرائيلية التي وافقت لأول مرة منذ نشأتها الانسحاب من أراضي احتلتها وكانت تدعي أنها أرضا من حقها التاريخي، وهذه الاتفاقية التي أفضت لانسحاب إسرائيل من أراضي أقامت عليها مستعمرات بمثابة تراجع عن حلم إسرائيل الكبرى، التي تمتد مساحتها على جزء كبير من الأراضي العربية .

رغم الرفض العربي لاتفاق كامب ديفيد حينها إلا أن العرب عرضوا رؤية للسلام في قمة فاس بالمغرب عام ١٩٨٢ تتمثل في اعتراف العرب بإسرائيل مقابل قيام الدولة الفلسطينية على حدود الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧ بما فيها القدس، وعارض الفلسطينيون الرؤية السعودية هذه ورفضها زعماء عرب شاركوا في هذه القمة الاستثنائية وبالتالي لم يخرج قرار عربي أو مبادرة عربية حينها بل أصبحت المنطقة العربية أكثر تمزقاً.

تسبب اتفاق ( كامب ديفيد ) المصري الإسرائيلي في تغيير  الرؤية الإسرائيلية التي وافقت لأول مرة منذ نشأتها على الإنسحاب من أراضي أحتلتها

لقد أثرت حرب بيروت ( الحرب الإسرائيلية على لبنان) عام ١٩٨٢م على القرار الفلسطيني حيث اكتشفت القيادة الفلسطينية أن المواقف العربية الرافضة لأي عملية سلام مع الاحتلال الإسرائيلي مجرد شعارات حيث تُرك الفلسطينيون واللبنانيون لوحدهم في معركة غير متكافئة مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يمتلك قوة عسكرية ضخمة و دعم أمريكي كامل جوا و بحرا.

لقد أصر الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أثناء الخروج من لبنان عام ١٩٨٣م أن تكون مصر أول محطاته في عملية الاغتراب الفلسطينية الجديدة، لقد اختار مصر ومقابلة الرئيس المصري حسني مبارك رغم المقاطعة العربية لمصر لإرسال رسالة واضحة لكل أصحاب الشعارات العربية الثورية والقومية (لقد خذلونا)، لقد وقفت مصر موقفا جادا ضد الحرب على لبنان وتحركت الدبلوماسية المصرية على كل الجهات الدولية لإدانة هذا العدوان ووقفه، وأرسلت طواقم طبية تحت اسم مؤسسات دولية لتقديم الإسعافات والعلاج للجرحى الفلسطينيين واللبنانيين، مما كان له أثرا طيبا لدى القيادة الفلسطينية، ومثّل هذا التاريخ تحولا مهما في الموقف الفلسطيني والقيادة الفلسطينية، التي قررت التقارب من مصر رغم إقامتها في تونس مقر جامعة الدول العربية الجديد وكان هذا التقارب بداية لدخول القيادة الفلسطينية في معترك التسوية السلمية.

أصر ياسر عرفات في أثناء الخروج من لبنان أن تكون مصر أول محطاته في عملية الاغتراب الفلسطينية الجديدة بعد موقف مبارك الداعم والقوي

لقد كان للإنتفاضة الفلسطينية عام ١٩٨٧ م ( انتفاضة الحجارة ) دورا في إعادة القضية الفلسطينية للمشهد السياسي الدولي ونشطت الدبلوماسية العربية والدولية لإيجاد حلِ للقضية الفلسطينية وبدأت الأنظار تتجه صوب تونس مقر القيادة الفلسطينية والتي قبلت عام ١٩٩١م الموافقة على مؤتمر مدريد للسلام، دون أن تشارك منظمة التحرير الفلسطينية بشكل مباشر في هذا المؤتمر، بل ذهبت لأبعد من ذلك ووافقت على أن يكون الوفد المشارك في المؤتمر هو وفد أردني فلسطيني ، وكان مؤتمر مدريد للسلام بداية رسمية لدخول الفلسطينيون معترك التسوية السلمية.

لقد أكد مرونة موقف القيادة الفلسطينية من مؤتمر مدريد رغبة القيادة الفلسطينية في دخول مشروع تسوية سياسية، وستقبل ما كانت ترفضه من قبل، وهذا شجع الولايات المتحدة لتلعب دورا في الوصول لاتفاق فلسطيني إسرائيلي وشهدت واشنطن عدة لقاءات فلسطينية إسرائيلية لم تقضِ لاتفاق، وفي هذه الأثناء تدخلت دولا أوروبية لفتح حوارات فلسطينية إسرائيلية، واستضافت العاصمة النرويجية أهم اللقاءات السرية الفلسطينية الإسرائيلية والتي نتج عنها ميلاد الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي في سبتمبر من عام١٩٩٣م، وأطلق عليه اتفاق أوسلو لكونه تم انجازه بسرية كاملة في العاصمة النرويجية أوسلو.

لقد صدم الاتفاق دولا عديدة وفصائل فلسطينية اعتبرته تخليا عن مبادئ منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تدعو لتحرير كامل التراب الفلسطيني، إلا أن مؤيدي أوسلو اعتبروا أن هذا الاتفاق فرصة تاريخية لبناء كيان فلسطيني على أرض فلسطين، مستندين على قرارات منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٨٣م والتي قبل بمشروع المرحلة (القبول ببناء دولة فلسطينية مؤقتة على أي أرض فلسطينية محررة لتكون انطلاقة لتحرير باقي فلسطين)، كما اعتبر مؤيدو اتفاق أوسلو أنه سيرد على من يدعون أن القضية الفلسطينية هي قضية الفرص الضائعة، بجانب أن الاتفاق سيسمح بدخول مائة وعشرون ألف مقاتل فلسطيني مشتتين في عدة دول بأسلحتهم أرض فلسطين التاريخية.

ورغم معارضة جزء كبير من الفصائل وعدد من الدول العربية لهذا الاتفاق إلا أنها تعاملت معه كأمر واقع فيما بعد.

أسس اتفاق أوسلو لبناء كيان فلسطيني على أرض فلسطين ، حرص ياسر عرفات على إظهار كل أشكال السيادة والدولة في هذا الكيان من تأسيس اجهزة أمنية ووزارات وعلم ونشيد وطني وحتى استعراض الحرس، ولكن حلم تحول هذا الكيان للدولة بعد خمس سنوات حسب نصوص اتفاق اوسلو تلاشى تدريجياً أمام مماطلة الاحتلال الذي رفض اتمام عملية الإنسحاب من الأراضي الفلسطينية التي تم الاتفاق عليها في أوسلو، ومثل اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين على يد متطرف يهودي عام ١٩٩٥م ضربة لاتفاق أوسلو، وأسدلت الستار على مرحلة من العملية السلمية.

أطلقت عملية اغتيال راببين رصاصة الرحمة على اتفاقات أوسلو وعملية التفاوض من الأساس

استمرت المفاوضات والاشتباك مع الاحتلال سنوات وتوقفت المفاوضات نهاية عام ٢٠١٤م ومع ظهور متغيرات جديدة منها تبني العرب المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام ٢٠٠٢م، والتي تعتبر اعترافا عربيا بدولة إسرائيل مقابل قيام دولة فلسطينية على الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧م وكذلك ما شهدته الساحة الفلسطينية من انقسام فلسطيني عام ٢٠٠٧م وانتهاء بالخطة اللأمريكية عام ٢٠٢٠م (صفقة القرن)، والتي جعلت حل الدولتين من خلال مفاوضات تعود بدايتها لاتفاق كامب ديفيد ١٩٧٨م ، وحتى أوسلو عام ١٩٩٣م في خطر وقد ينتهي كحل بشكل نهائي .

هذه المرحلة من الاحتقان الفلسطيني الفلسطيني والفلسطيني الاسرائيلي دفعت الكثيرين للحديث عن خيار الدولة الواحدة.

وأن حل الدولتين قد أصبح ميتا، وأن خطة ترامب جاءت للإعلان الرسمي عن وفاة هذا الخيار  ودفنه، وقد ساعدت سياسة الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية من خلال المستوطنات والاستمرار في ضم الأراضي الفلسطينية وضم القدس وغيرها من السياسات التي جعلت من حل الدولتين خيارا شبه مستحيل وجاءت خطة ترامب لتثبيت الوقائع التي خلفتها إسرائيل على الأرض ليس إلا،  ولذلك فهي بمثابة الإعلان الرسمي لنهاية فكرة حل الدولتين.

نتيجة لذلك بدأت بعض الطروحات التي تنادي بحل الدولة الواحدة كحل وحيد للصراع العربي الإسرائيلي ولا تخفي بعض الأصوات العربية قناعتها بأن العامل الديموغرافي سيكون كفيل بإنهاء الطابع الصهيوني للدولة الجديدة لا بل الوصول لسيطرة فلسطينية على هذه الدولة بالمستقبل نتيجة للعامل الديموغرافي والذي سوف يؤدي لوجود أغلبية عربية فلسطينية في الدولة الجديدة.

ويرى أنصار هذا الاقتراح أن إقامة دولة فلسطينية ذات معنى قد انتهت وأن الوقائع على الأرض سوف تجعل من أي كيان فلسطيني يظهر ضمن سياق خطة ترامب منقوص السيادة وغير قابل للحياة ولا يلبي طموحات الشعب الفلسطيني.

إقامة دولة فلسطينية ذات معنى قد انتهت وأن الوقائع على الأرض سوف تجعل من أي كيان فلسطيني يظهر ضمن سياق خطة ترامب

كذلك فإن البعض يجادل بأن كأمر واقع أصبح هناك اعتماد متبادل بين الفلسطينيين وإسرائيل لا يمكن تفكيكه سواء كان ذلك من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الأمنية، بالإضافة إلى أن هناك تناميا في المطالبة بالحقوق المدنية والوطنية التي باتت مطلبا أساسيا لجزء كبير من الفلسطينيين، بالتأكيد فكرة الدولة الواحدة ليست جديدة ولكنها ظهرت للسطح مجددا ويطالب أنصارها بأن تكون الاستراتيجية التي يجب على الفلسطينيين والعرب اتباعها لمجابهة صفقة القرن.

هناك أكثر من صيغة للدولة الواحدة منها قيام دولة واحدة ديمقراطية يتمتع بها الجميع بحقوق وطنية وسياسية متساوية، مما سيؤدي لنهاية الطابع اليهودي لهذه الدولة ويؤيدها بعض السياسيين الفلسطينيين، أما الصيغة الثانية فهي دولة ثنائية القومية يشارك الفلسطينيون الإسرائيليين الأرض ولكنهما يبقيان مفصولين قوميا ويحافظ كل طرف على هويته الوطنية أو الدينية مع وجود أجهزة أمنية وسياسية موحدة.

من السهل طرح هذا الحل  إلا أنه من الصعب تخيله لأنه يتطلب تبني هذا الحل فلسطينيا إسرائيليا، وهذا ليس على الأجندة السياسية لأي من الطرفين ولكن يمكن التفكير به كحصيلة أو نتيجة فشل الحلول السياسية.

بالتأكيد يعارض فلسطينيين وإسرائيليين هذه الفكرة وكل طرف له أسبابه، المتطرفين اليهود يعلمون أن هذا الطرح سيؤدي إلى نهاية الطابع اليهودي للدولة الجديدة وبالتالي من المستحيل تخيل القبول بهذا الخيار إسرائيليا على الأقل في المرحلة الحالية .

بعض المنظرين والسياسيين العرب يؤيدون هذا الحل معتمدين على العامل الديمغرافي لهزيمة المشروع الصهيوني وهذا بالتأكيد منطقي ومعقول، ولكن هل إسرائيل غافلة عن هذا العامل؟ على العكس تماما فلولا هذا العامل لقامت إسرائيل بضم الضفة منذ زمن بعيد وأقامت هي الدولة الواحدة.

أعتقد أن تبني حل الدولة الواحدة يحتاج إجماعا فلسطينيا وتأييدا عربيا، وقد يكون نتيجة حتمية لنهاية الصراع الفلسطيني على المدى البعيد، ويجب التلويح بهذا الحل بكل جدية لمواجهة صفقة القرن وإنقاذ حل الدولتين الذي يقبل به الطرفان والمجتمع الدولي ككل.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق