جولة قاآني الإقليمية وتحديات المرحلة المقبلة

فراس إلياس

تأتي عملية تواجد قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني في بغداد، بعد جولة إقليمية شملت دمشق وبيروت، لتؤشر بدورها إلى توجه إيراني واضح للإستعداد للمرحلة المقبلة، وهي المرحلة التي ستحدد إلى درجة كبيرة فاعلية الدور الإيراني في العراق والمنطقة، خصوصاً وإن العراق كان وما زال ملفاً حاسماً في مسارات المواجهة الأمريكية الإيرانية، ففي مرحلة مابعد إندلاع تظاهرات تشرين الإحتجاجية في أكتوبر 2019، وتظاهرات مماثلة في بيروت، ومن ثم مقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في محيط مطار بغداد الدولي في يناير 2020، واجهت إيران وضعاً صعباً في المنطقة، وتحديداً في إطار بروز ظروف سياسية وأمنية غير الداعمة للتوجهات الإيرانية وأهدافها.

شكل الإتفاق النووي الذي تم التوقيع في أبريل 2015، فرصة لإيران في ترسيخ نفوذها الإقليمي في ساحات إقليمية عدة، ومنها العراق على سبيل المثال، على إعتبار إن التنازلات التي قدمتها إيران في برنامجها النووي، قابلها ضوء أخضر أمريكي للتمدد في العراق، وما زاد من فاعلية الدور الإيراني، بروز متغير الحشد الشعبي، وبمعنى أكثر وضوحاً، بروز الفصائل الولائية التي أصبحت تطرح نفسها بقوة ضمن مسارات معادلة الصراع الأمريكي الإيراني، عبر مطالبتها المستمرة بخروج القوات الأمريكية من العراق.

قاآني يلوح بالتصعيد في العراق للضغط على الولايات المتحدة

شكل العنوان العريض لزيارة قاآني إلى بغداد، بناءً على دعوة وجهها له رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، من أجل كسب الدعم الإيراني لضبط حركة الفصائل الولائية وخلايا الكاتيوشا في الأيام المقبلة، التي تصاعدت تصريحات قادتها من جهة، وصواريخها الموجهة نحو السفارة الأمريكية في بغداد من جهة أخرى، خلال الأيام القليلة الماضية، ورغم إعلان بعض قيادات الفصائل الولائية، ومنها التصريحات التي أدلى بها زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، بأن الفصائل الولائية غير معنية بزيارة قاآني إلى بغداد، وبأن لها خيارات المستقلة، إلا إن الثابت أن هناك تحول جديد بدء يطرأ على الإستراتيجية الإيرانية في العراق.

فهي من جهة تؤكد على إستقلالية عمل الفصائل الولائية عن فيلق القدس في العراق، ومن جهة أخرى تعتبرها جزءاً من محور المقاومة الذي تقوده في الشرق الأوسط، وهو مايعني عدم تحميل إيران مسؤولية إي تصعيد قد تقدم عليه هذه الفصائل في العراق، في حال ما قررت إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب توجيه ضربة عسكرية للفصائل في الأيام المقبلة.

وفيما يتعلق بمدى إرتباط زيارة قاآني لبغداد، بالهدنة التي منحتها الفصائل الولائية وخلايا الكاتيوشا، للقوات الأمريكية في العراق، فهي الأخرى تمثل بعداً مهماً، خصوصاً وإن زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي أكد، بأن الهدنة الممنوحة للقوات الأمريكية للخروج من العراق إنتهت، ما يعني إماكنية تصاعد الهجمات الصاروخية على القواعد التي تستضيف القوات الأمريكية في العراق، أو حتى السفارة الأمريكية، إذ نجحت خلايا الكاتيوشا في إستهداف العديد من المقرات التي تتواجد فيها القوات الأمريكية في العراق، وإبرزها: القصور الرئاسية في الموصل، وقاعدتي بلد والتاجي، والسفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، ومعسكر بسمايا في بغداد، فضلاً عن معسكر فيكتوري في محيط مطار بغداد الدولي، وقاعدة كي 1 في كركوك، هذا إلى جانب الشركات النفطية الأمريكية العاملة في البصرة، ومن أبرزها شركة إكسون موبيل وهاليبرتون النفطية.

كما شنت خلايا الكاتيوشا خلال الفترة من يناير وحتى سبتمبر 2020 مايقرب من 70 عملية إستهداف للمقرات الأمريكية، كانت حصيلتها مقتل متعاقد أمريكي في قاعدة كي 1 في كركوك في ديسمبر 2019.[1] ومقتل ثلاث جنود وإصابة 12 جندي من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، في قصف آخر أصاب قاعدة التاجي في مارس 2020.[2]بالإضافة إلى إستخدام هذه الخلايا طائرات إستطلاع بدو طيار (درون)، لتصوير السفارة الأمريكية في بغداد، وقاعدة عين الأسد في الأنبار، وفي الأونة الأخيرة غيرت هذه الخلايا من إستراتيجيتها العملياتية، عبر إستهداف قوافل تحمل إمدادات إلى منشآت الولايات المتحدة أو التحالف الدولي،والتي وصلت إلى 25 هجوماً مسلحاً.[3]وتحديداً في البصرة والناصرية وصلاح الدين، فضلاً عن منطقة أبو غريب غرب بغداد في 17 سبتمبر 2020، التي أعلنت جماعة (قاصم الجبارين) مسؤوليتها عنها.

جاءت عملية إنسحاب القوات الأمريكية من تسع قواعد عسكرية، لتعكس طبيعة القناعة الأمريكية، بفشل الحكومة العراقية عن الإيفاء بإلتزاماتها في حماية المصالح الأمريكية في العراق، لتتمحور اليوم في قواعد البغدادي وحرير وعين الأسد، ضمن خطة طويلة المدى لحصر الوجود الأمريكي في العراق، في إطار التدريب وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي، ويأتي ذلك ضمن توجه أمريكي لتحصين القوات الأمريكية في العراق من أي إعتداء.

العراق ممزق بين “خلايا الكاتيوشا” والمنطقة الخضراء وكاظمي لايمك إلا الدبلوماسية

شكلت إستراتيجية ردع النزاع إحدى أبرز الإستراتيجيات التي إعتمدتها القيادة الأمريكية في العراق، خصوصاً في إطار ردع الهجمات الصاروخية التي تقوم بها خلايا الكاتيوشا، إذ حددت منطقة حرم أمني بمسافة 70 كيلو متراً حول القواعد العسكرية التي تتواجد فيها القوات الأمريكية، وتحديداً قاعدة عين الأسدفي الأنبار، بحيث تصبح الفصائل الولائية وخلايا الكاتيوشا عرضة لإستخدام القوة المميتة، في حال ما إذا تجاوزت هذه المسافة، كما نصبت العديد من أنظمة الدفاع الجوي C-RAM المضادة للصواريخ حول السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، أو عبر تفعيل الجهد الإستخباري حول ردع الهجمات التي  تتعرض لها القوافل الأمريكية، بحيث تجعل هذه الهجمات غير فاعلة ومميتة، بالإضافة إلى إنها تجنب الولايات المتحدة الرد عليها بضربات إنتقامية.

مابعد العراق، ماذا لو تعرضت إيران لضربة عسكرية؟

تدرك إيران بأن العراق لطالما شكل ساحة مهمة للمواجهة مع الولايات المتحدة، لأسباب إستراتيجية عديدة، أهمها توفر القاعدة الولائية المؤيدة لها، والتي شكلت أبرز مثال على حروب الوكالة الإيرانية في الشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق، ونظراً للكلف الإستراتيجيةالقليلة التي قد تتحملها إيران من أي مواجهة محتملة في المسقبل القريب، حيث قامت الولايات المتحدة بإستهداف سليماني في العراق، وكان الرد الإيراني في العراق أيضاً، ما يعني توجه الطرفين للحفاظ على قواعد الإشتباك في أي تصعيد عسكري، في ظل واقع عراقي ضعيف.

وفي سياق متصل، خرجت المواجهة الإسرائيلية الإيرانية في سوريا إلى العلن، في ظلّ تخلي إسرائيل عن سياسة الغموض بشأن ما يتعلق بقصف أهداف إيرانية في سوريا، قابله تغيير طهران لهجتَها في الرد على تهديد مصالحها في سوريا، وأعلنت إسرائيل رسمياً -خلافاً لما كانت تفعله في الماضي- عن غارات على مواقع إيرانية في محيط مطار دمشق الأربعاء الماضي، وتعمّدت إسرائيل في الماضي -بإستثناء مرات قليلة- تجاهل الإعلان بوضوح عن الغارات التي تشنّها داخل سوريا، وفي المقابل تعهدت إيران برد ساحق على الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع تابعة لها في سوريا.[4]

تدرك إسرائيل حجم المخاطر الإستراتيجية التي ستواجهها، في حالة رحيل ترامب دون نتائج حاسمة، فرغم نجاح الاستخبارات الإسرائيلية في كشف أغلب المواقع النووية الإيرانية، بعد قيامها باختراق إيران عبر العملية عماد، وسرقة آلاف الوثائق الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني في مايو 2018، وقتل الولايات المتحدة لسليماني في يناير 2020، والعقوبات الاقتصادية المستمرة على الاقتصاد الإيراني، فإن إسرائيل ترغب في إضعاف إيران خلال الفترة المتبقية، حتى لو اضطرت إلى الذهاب بمفردها نحو إيران، فالظروف الجوية في إيران خلال الفترة الحاليّة قد تشجع إسرائيلعلى تنفيذ ضربة خاطفة غير مسؤولة، فيما لو قررت ذلك.

مصادر

[1]البنتاغون يؤكد مقتل متعاقد مدني أمريكي بهجوم صاروخي على قاعدة عسكرية شمالي العراق، موقع روسيا اليوم، في 28 ديسمبر 2020.

https://bit.ly/302XKOg

[2]مقتل 3 عسكريين من قوات التحالف الدولي في هجوم صاروخي بالعراق، القدس العربي، في 11 مارس 2020.

https://bit.ly/2RUF2E2

[3]نظام الكاظمي قد ينهار.. تقرير: العراق على موعد مع مفاجأة أكتوبر، موقع أين نيوز، في 26 سبتمبر 2020.

https://bit.ly/3cyWgAp

[4]الحرب “الاستشارية” في سوريا تتحول إلى حرب معلنة بين إيران وإسرائيل، صحيفة العرب، في 23 نوفمبر 2020.

https://bit.ly/3m1A4mC

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق