تونس بين المتاهات السياسية والحلول البعيدة

تشابكات بيت العنكبوت

تعيش تونس أخطر المنعرجات في حياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية وسنتناول في هذا المقال المنعرج السياسي وتمظهراته وتداعياته على البلاد بشكل عام  وانعكاساته السلبية على الحياة السياسية بشكل خاص.

وتشهد الساحة السياسية التونسية منعرجا خطيرا افتقد فيه الفاعلون السياسيون والاجتماعيون للقيم والأسس والمبادئ التي تنظم قواعد الاشتباك، حيث تمّ استدعاء الفاعل الخارجي ليكون مؤثرا في مفاعيل الداخل التونسي سواء من حيث تغلغله في مفاصل الاقتصاد أو في دعمه الخفي أو المباشر وذلك من خلال تدفق أموال سياسية تنساب بين الفينة والأخرى ضمن أرصدة بعض الجمعيات الموالية والمناصرة لهذا الطرف أو ذاك.

ويزداد الصراع احتداما كلما تدخل الإعلام الأجنبي مناصرا لهذا الطرف أو ذاك أو غارسا لأسافين الفتنة والترذيل أو التحشيد والتضليل أين يتبادل الأطراف الاتهامات حول تموقع بعضهم في خارطة محاور إقليمية وتمحور البعض الآخر ضمن تمحورات دولية أخرى (تركيا وقطر والإمارات وفرنسا) كما حُشر اللاعب الليبي بطرفيه في ميزان التنافي والصراع ولعبة المحاور وأقحم رئيس الجمهورية كذلك ضمن هذه المنازعات مما أضعف موقفه كرئيس مجمّع.

وبهكذا سلوك أضحت مُدْخلات اللعبة السياسية التونسية تتأرجح بين التنازع الداخلي وبين منعرجات المتاهة الإقليمية و الدولية حيث كان الهدف منها إخراج الإسلام السياسي من لعبة الحكم والنفوذ داخل تونس و تشويهه وإبرازه ككيان دخيل وغير وطني، واشتدت هذه الأيام مثل هذه المناكفات ليُرفع شعار إسقاط البرلمان بعد أن التفّ الغنوشي على حكومة المشيشي وذلك على إثر تعيينه من طرف رئيس الجمهورية وتطويعه لمصلحة الائتلاف البرلماني القوي(حركة النهضة و ائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس) خدمة لمصلحتهم وتنفيذا لأجندتهم.

وتأسيسا على ذلك تعالت أصوات اسقاط البرلمان والحكومة وتعددت مصادرها وتكاثر دعاتها، وهناك من يعتقد أن أنصار قيس سعيد وراء ذلك والبعض الآخر يعتقد أن جرحى انتخابات 2019 من الأحزاب التقليدية القديمة تقف وراء كل ذلك كما يعتقد آخرون أن المثقفين والنخبة العلمانية وبعض رموز النظام السابق تحشد في هذا الاتجاه وارتفعت أصواتها لدعوة الرئيس من أجل حل البرلمان والتحق بهذه الدعوات وزير الحوكمة و مكافحة الفساد  والأمين العام السابق للتيار الديمقراطي السيد محمد عبّو ليدعوا الجيش للانتشار ومسك الأمور بقوة ومحاسبة السياسيين الذين أفسدوا الحياة السياسية والعامة، وارتفعت الأصوات للدعوة لتعديل نظام الحكم المختلط واستبداله بنظام حكم رئاسي ودفع الرئيس لإجراء استفتاء شعبي لتعديل الدستور وحل البرلمان.

فهل أن مثل هذه الدعوات قابلة للتحقق و التنفيذ؟؟.

يجدر بنا في هذا الصدد التأكيدد أن مثل هذه المطالب والشعارات ستبقى صيحة في واد ولن تجد لها مصوغات أو مقومات تنزيلها في جنبات وثنايا الحياة السياسية التونسية لأسباب عدّة:

أولها أن الاستفتاء وحسب ما ينص عليه الدستور التونسي في فصله 82 لا يكون إلا في مشاريعَ القوانين المتعلقة

بالموافقة على المعاهدات، أو بالحريات وحقوق الإنسان، أو بالأحوال الشخصية المصادق عليها من قبل مجلس نواب الشعب” إذا لا يتنزل  الاستفتاء حسب الدستور التونسي في مجالات تغيير شكل النظام السياسي بل إن الدستور لا يسمح لرئيس الجمهورية بطرح مبادرات تشريعية لتحوير وتعديل الدستور باعتبار اشتراط مثل هذه الأمور لحتمية إنشاء المحكمة الدستورية ووجودها لإبداء الرأي في كون هذه المبادرات الرئاسية المفترضة لا تتعلق بما لا يجوز تعديله طبق ما هو مقرر في ذات الدستور (دستور 2014) كما يشترط موافقة ثلثيْ أعضاء مجلس نواب الشعب ليتسنى تحويله إلى استفتاء وهو ما يعتبر موضوعيا وطبق قراءتنا للواقع السياسي التونسي شبه مستحيل.

غياب المحكمة الدستورية عزز من المشهد الفوضوي في الصلاحيات الدستورية لأركان الدولة التونسية

ثمّ إن الفصول التي تُجسّد شكل النظام السياسي المراد تغيره هي مبثوثة في جنبات الدستور التونسي من بدايته إلى نهايته سواء تلك الفصول المتعلقة بصلاحيات البرلمان أو الحكومة أو صلاحيات رئيس الجمهورية أو تلك المتعلقة بصلاحيات الهيئات الدستورية وغيرها من الأمور الأخرى.

ولعلّ افتقادنا لوجود المحكمة الدستورية قد يُعزّز اشتداد حلقة الاستحالة وعدم توفّر مخرج ونافذة لهذه المتاهة حتى وإن كان بمقدار ثقب إبرة.

ولم تكتف هذه الأصوات بالدعوة لتغيير شكل النظام السياسي للحكم بل انتقلت للدعوة لاسقاط البرلمان وحلّه كلّيّا وهو ما يُعتبر رجع صدى لمن جهل أساسيات التغيير وواقعيّة شعارات التثوير والمقوّمات الدستورية والقانونية لمعقولية تجسيد مطالب الجماهير، وقد وصل الأمر بعديد المثقفين والمشرّعين وأقطاب رجالات القانون الدستوري أمثال (الصادق بلعيد) إلى شرعنة إمكانية حلّ البرلمان من طرف رئيس الجمهورية استنادا على الفصل 80 من الدستور والذي ينصّ على أنه” لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدّد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.

ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

وبعد مضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يُعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه.

وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها.

ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب”.

وبهكذا نص قطعي في دلالته نخلص إلى اعتبار هذه الدعوات وهذه الشعارات التي ملأت الإعلام الوطني المرئي والمقروء والمسموع وكذا مواقع التواصل الاجتماعي هي بمثابة الصيحة في واد والحرث في البحر و محاولة لمسك وقبض الريح باعتبار أن هذا النص الدستوري الذي يفترض”الخطر الداهم والمهدد لكيان الوطن واستقلاله كما استحالة استمرار الدور العادي لدواليب الدولة، هو يُبقي مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم ولا يُجيز لرئيس الجمهورية بأي حال من الأحوال حل المجلس”.

أما الفصل الوحيد الذي يسمح بحل مجلس نواب الشعب بتونس قد وقع تجاوزه زمنيا وموضوعيا وشكليا وهو الفصل 89 والذي يختص بتشكيل الحكومة الأولى بعد انتهاء الانتخابات” حيث تنص هذه المادة الدستورية أنه “في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، بتكوين الحكومة خلال شهر يُجدّد مرة واحدة.. وعند تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر… وإذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حلّ مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة”.

هذه -إذن- هي الحالة الوحيدة التي تفرض امكانية حل البرلمان وقد تمّ تجاوزها شكليا وواقعيا وزمنيا ولم تعد صالحة لأي فرضية أو احتمالية أخرى طيلة بقية الحياة البرلمانية.

الجيش التونسي ليست لديه الآلية والامكانيات لاقتحام الحالة السياسية وإحداث التغيير

وبهكذا حقيقة يصبح من الهراء رفع شعارات تغيير شكل النظام السياسي أو حل البرلمان كما أن فرضية انتشار الجيش ومسك السلطة هي من الفرضيات المستحيلة بسبب أنها مرفوضة دستوريا ومدنيا وسياسيا ثمّ إن الجيش التونسي غير مستعد من المنطلق الواقعي والسياسي ومن منطلق عدم امتلاك القدرات والكفاءات والخبرات السياسية  ومن منطلق الرضا الدولي الذي لا يرغب للجيش التونسي اقتحام معترك السياسة ، ثمّ إن الجيش التونسي هو غير مستعد لمسك زمام الأمور فضلا على أنه غير متدرب على المعترك السياسي وليس له مصلحة في خوض هذا المعترك بل إن مصلحته المطلقة والاستراتيجية تكمن في بقائه في ثكناته.

بقيت فرضية الثورة من جديد والتي أخالها بعيدة المنال لأن كافة الفعاليات السياسية والمدنية والثورية التي نشطت في ثورة الحرية والكرامة سنة 2011 قد فقدت أي أمل في تغيير حال البلاد بثورة جديدة بسبب ما وصلت إليه تونس من مديونية واهتراء الوضع الاجتماعي والاقتصادي بعد عقد كامل من الزمن لم يلاقو فيه كنخبة متحركة وشعب عانى الويلات وكحكّام عاجزين غير الانتكاسة والدمار والانكسار.

لم يبق إذا غير الإعداد والاستعداد للمحطات الانتخابية القادمة والخضوع والخنوع فقط لصندوق الاقتراع وما يتمخض عنه من نتائج ومشهدية سياسية جديدة.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق