تأسيس «الجمهورية الثانية» الفتنة أكبر من النخبة السياسية

كل الطرق تؤدي للاحباط فى تونس

بعد حراك الشعب التونسي الذي أفضى إلى هروب الرئيس السابق «زين العابدين بنعلي»في يناير/ كانون الثاني، 2012 فقد استقررأي الفعاليات السياسية والمدنية والعمالية لاختيار«هيئة عليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي»، أوكل إليها تخيّر نهج الثورة وطريقة الانتقال الديمقراطي ونظامه المنشود والإصلاحات السياسية الضرورية لتغيير نظام الحكم جذريا والقطع مع منظومة الفساد والاستبداد،وكان أن تخيرت تعليق الدستور وإيقاف العمل به والتهيؤ لإنشاء «مجلس وطني تأسيسي»، يؤسّس لجمهورية ثانية ويضع دستورا جديدا لها.

 

بدأت هذه الهيئة بإعداد قانون انتخابي جديد يقوم على أساس(التصويت على القائمات في دورة واحدة على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا) وهوما كان ولازال سببا في استمرارأزمة التمثيلية السياسية في المجالس النيابية المتعاقبة وجب تغييره إذا أردنا تجاوز التشرذم والتشتت والمناكفات المعطلة للبرلمان.

 

وبمقتضى ذلك تمّ انتخاب مجلسا وطنيا تأسيسيا في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 من217 نائبا ينتمون إلى فعاليات سياسية مختلفة ومتناقضة عُهد إليها إعداد دستور جديد يقطع مع الماضي ويهيئ لنظام حكم جديد يؤسس لديمقراطية وانتقال ديمقراطي جديد ويحترم مبادئ حقوق الإنسان الكونية والشمولية .

 

صدر دستور تونس الجديد بعد 3 سنوات من الحوار والنقاش والتجاذب من طرف المجلس الوطني التأسيسي في 27 يناير/ كانون الثاني،عام 2014 وشدد على التمسك بتعاليم الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال وترسيخ نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي في إطار دولة مدنية مبادؤها فوق دستورية،السيادة فيها للشعب عبر آلية التداول السلمي على الحكم وسيلته  صندوق الاقتراع وانتخابات حرة تديرها هيئة مستقلة،ورسخ الدستور لمبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها وأسس لعدالة اجتماعية حقيقية تميّز ايجابيا بين الجهات وكفل كافة الحقوق والحريات المنصوص عليها بالعهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية، كما كرّس الدستور استقلالية القضاء ورسّخ الرقابة والتعديل والمساءلة ضمن 5 هيئات دستورية مستقلة،وبنى الدستور الجديد نظام حكم سياسي يقوم على ازدواجية وثنائية(نظام مختلط شبه رئاسي وشبه برلماني)تنفصل فيه السلطات وتتوازن ويراقب بعضها بعضا وتتوزع بين رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة ويراقبهما ويحاسبهما ويسحب الثقة منهما مجلس نيابي منتخب بشكل مباشر.

 

وجاء هذا الدستور كنتيجة للتوازنات السياسية التي أفرزتها انتخابات 2011،ورغم أنه صدر عن رضا وإجماع كافة نواب المجلس الوطني التأسيسي إلا أنه شكّل معضلة لاستقرار الحياة السياسية في تونس ومنطلقا للتجاذبات التي تحصل باستمرار وهو ما يطرح مراجعته وخاصة في ما يتعلق بنظام الحكم السياسي الذي تَضَمّنه،فضلا على أنه لم يضبط بشكل دقيق الصلاحيات المتداخلة بين صلاحيات رئيس الجمهورية وتلك التي تعود لرئيس الحكومة وتداخل صلاحيتهما مع صلاحيات مجلس نواب الشعب أيضا وهو ما أدى إلى تعطيل دواليب الدولة وتعارض مواقف رموزها خاصة مع تنامي غموض التأويل في مادة الصلاحيات وتعاظم الخطر مع تعطيل انتخاب المحكمة الدستورية التي تحتكر صلاحية البتّ في مثل هذه الخلافات.

 

وأفرز النظام الانتخابي(بمنظومة أكبر البقايا) تشتتا في التمثيليات داخل البرلمان وهو ما ساهم في تعطيل انتخاب 4هيئات دستورية تشكل أهم آليات الرقابة والتعديل والمساءلة للسلطة التنفيذية وكذا المحكمة الدستورية أيضا المعول عليها فكّ الاشتباك التشريعي وفض الاختلافات الخاصة  بموضوع الصلاحيات.

 

ونظرا لتذرر الفسيفساء السياسية وتشتت تركيبتها وتنافرها وتأخر إنشاء الآليات الداعمة للانتقال الديمقراطي والمرسخة له وعدم وضوح واستقرار النظام السياسي الجديد وفشل منظومات الحكم المتعاقبة وتصاعد المطلبية الاجتماعية،فقد تعاظم بسبب ذلك وغيره منسوب الكره والاحباط إزاء الطبقة السياسية وتراجع «بارومتر» الثقة بها مما دفع بممثلي الشعب وإزاء ما يشعرون به من فقدان الثقة بهم والإحباط من أدائهم دفعهم إلى ابتداع خطاب شعبوي غير بناء لعلهم يستعيدون نزرا من ثقة الناس بهم كما انتهجوا أسلوب التبرم والتبرؤ ممن هم بسدة الحكم قصد إبرازهم كفاشلين وتظهير الناقدين كمنقذين وهو ما ساهم في اندثار أحزاب دخلت الحكم بسرعة وفشلت فيه،كما انحسار دور الناقدين الذين لا يجيدون غير الخطابات الشعبوية والشعارات الهلامية.

 

وبسبب الخوف من الإخفاق والفشل وفقدان ثقة  الجماهير بها فقد انخرطت أحزاب أخرى ناشئة(نداء تونس سابقا وقلب تونس حاليا) إلى عقد تحالفات مصلحية لا تتماها مع مبادئها وشعاراتها الانتخابية وهو ما عرّضها إلى حملات تشويه وترذيل كبيرة واجهتها هي بالمثل الأمر الذي زاد من تعفين الحياة السياسية بتونس وبروز عقلية المغالبة لا عقلية  البناء وساهم ذلك في اندثار بعضها وانقسام بعضها الأخر .

 

ويمكن أن نلخص الصراع الدائر ونشخصه في الأسباب والمحاور الاتية:

 

1 – صراع أيديولوجي يعتمد فلسفة الإقصاء

 

2 – صراع سياسي يعتمد المزايدة والمغالبة والمحاسبة

 

3– صراع محاور وأحلاف وجبهات يعتمد مبدإ الانحياز والاستقواء بالأجنبي

 

4 – صراع بين المنظومة القديمة والجديدة ويعتمد الترذيل والتشكيك

 

 5-صراع الأجنحة وأقطاب الحكم يعتمد فلسفة إضعاف الآخر

 

1-الصراع الأيديولوجي

 

تعيش تونس صراعا أيديولوجيا غذّته التجاذبات السياسية والتاريخية وحقنته بشكل قوي الأطراف الداخلية والخارجية التي اعتمدت استدعاء الماضي الطوباوي المخيف لتأجيج صراع الحاضر وترديد مقولات سقوط منظومة حكم”الإسلام السياسي” وفشله في معالجة مشاكل الناس الواقعية.

وقد ساهم في تأجيج هذا الصراع كافة الحساسيات السياسية وتزعمته حركة الشعب ذات الايدولوجيا القومية(زهير المغزاوي  يحوز على 16 نائب) وهي تعتبر أن الإسلام السياسي أنتج خرابا ودمارا في أوطاننا العربية وفي تونس بشكل خاص بسبب إيمانهم بنظرية تصدير الثورة واستباحة الدماء وضرورة تغيير الأنظمة باعتماد القتال المسلح والجهاد كما حصل في سوريا واليمن وليبيا العراق،كما تعتبر أن نظيرهم في الحكم اتصف بالفشل والعجز والتحريض والتبعية للقوى الأجنبية مما اعتبروه  حجرة عثرة أمام انفتاح الدولة وتقدمها واستقرارها.

وتبادل الطرفان الاتهامات بالتخوين والعمالة وانعدام الوطنية رغم تشكيلهما معا لحكومة الفخفاخ وساهمت هذه الخلفيات الإيديولوجية في تقويض سبل وأسس التعايش والالتقاء بينهما وتظهير معاني وخطابات الإقصاء والتكاره بين الطرفين وهو ما عجل بسقوط الحكومة لافتقادها منذ الأيامالأولى لحزام قوي يدعمها ويسندها.

 

2– صراع سياسي يعتمد المزايدة والمغالبة والمحاسبة

 

أسس حزب التيار الديمقراطي بقيادة «محمد عبو»، (22نائبا بالبرلمان) حملته الانتخابية على شعار مقاومة الفساد واستطاع أن يحظى برضاء وتصويت عدد هام من التونسيين وهو الذي رفض المشاركة في الحكومة الأولى التي أوكل الدستور تشكيلها لفائدة الطرف الذي تحصل على أكبر عدد من المقاعد فيالبرلمان«حركة النهضة»بسبب وصمها بالحزبية والتحيز والفساد واستطاع بفضل تحالفهالضمنيوالموضوعي مع كتل عديدة بالبرلمان إسقاط هذه الحكومة لتؤول شرعية تعيين رئيسها حسب الدستور التونسي في فصله89 إلى رئيس الجمهورية وبذلك تحصل التيار الديمقراطي على 3 وزارات في حكومة “إلياس الفخفاخ”وهي الحكومة التي جمّعت داخلها كافة المتناقضات وتشكلت من لفيف المتخاصمين والمتنافرين سياسيا وإيديولوجيا وهو ما سرّع في سقوطها وذلك على إثر اتهام رئيسها بتضارب مصالحه وبشبهة فساد واستغلال نفوذ قام به.

واحتدم الصراع على إثر استقالة الرئيس وسقوط حكومته بين حركة النهضة وحليفها إئتلاف الكرامة من جهة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب من جهة ثانية وهو ما عمّق من الشرخ السياسي والإيديولوجي بين هذه الأطراف وأفقدهم فرص الالتقاء الموضوعي مستقبلا.

 

3– صراع محاور وأحلاف وجبهات يعتمد مبدأ الانحياز والاستقواء بالأجنبي:

 

كان للمواقف المعلنة للأقطاب السياسية حول موضوع التدخل التركي في الشقيقة ليبيا نقطة الفراق والخلاف ومنطلقا لتأجيج حدة الصراع حيث انحازت حركة النهضة وائتلاف الكرامة(حزب سلفي يقوده المحامي سيف الدين مخلوف وحاز على 19 مقعدا بالبرلمان) إلى دعم الموقف التركي الذي أباح لنفسه إقامة اتفاقية ترسيم حدود بحرية ودفاع مشترك بينها وبين رئيس الحكومة«السراج» ودافعا عليه بقوة وتورط «الغنوشي» في تبني موقف اردوغان باستباحة التدخل في الشأن الخارجي للدول  وهو ما دفع مناهضيه إلى إعلان الخصومة معهم واعتبار هذا الموقف هو تدخل سافر فيالشأن الليبي الداخلي واعتبروه مسّا بأمن تونس واستقرارها وإقحامها كرها في لعبة المحاور والصراعات والحروب.

 

ونتيجة لذلك برز تحالف موضوعي غير عضوي بين 5 كتل برلمانية أمضوا لائحة لانتقاد رئيس البرلمان بخصوص موقفه وتدخله بالشأن الليبي ودعمه لاتفاقية اردوغان لترسيم الحدود مع ليبيا, وصوت 97 نائبا لصالح لائحة اللوم ممثلين في كتلة التيار وحركة الشعب والحزب الدستوري الحر(تقوده السيدة عبير موسي ولها 16 نائبا بالبرلمان) وكتلة الاصلاح (مكونة من 3 أحزاب)والكتلة الديمقراطية.

 

وزاد من ضراوة الصراع القائم الموقف المعلن لرئيس الجمهورية الذي جاء معارضا وبقوة لموقف حركة النهضة والغنوشي وائتلاف الكرامة حيث اتهمهم بالتدخل في صلاحياته وأرسل لهم بعبارات التهديد والوعيد بعزمه اتخاذ إجراءات قاسية في حال تواصلت مثل هذه الخروقات للدستور والتعدي على صلاحياته.

 

4 – صراع بين المنظومة القديمة والمنظومة الجديدة يعتمد الترذيل والتشكيك:

 

مثّلت السيدة عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر 16 نائبا بالبرلمان والمنتمية للمنظومة السابقة أكبر معضلة لدى حركة النهضة وحليفها ائتلاف الكرامة وساهمت في دحرجة الصراع وتظهيره داخل البرلمان واعتبار رئيسه الغنوشي وجماعته مجموعة ممن تصفهم بالاخوانجية والإرهابيين والفاقدين لمشروع يحافظ على تماسك الدولة واستقرار البلاد واتهمتهم علنا بتسفير الشباب إلى بؤر التوتر وشدّدت على فشلهم في إدارة الحكم ونالت من قيم الثورة ومزاياها واعتبرتها انقلابا ساهم في تخلف البلاد وانهيار اقتصادها وانتشار الفوضى فيها ،وفي المقابل يصفها خصومها من جماعة النهضة وائتلاف الكرامة ويتهمونها بالعمالة للامارات وخدمتها لأجندات خارجية ترغب في الانقلابي على الثورة ومبادئها واستحقاقاتها ومزاياها وتعملعلى الالتفاف على المسار الديمقراطي وعلى المكتسبات والحريات .

ويتمّ تبادل الاتهامات ونقلها مباشرة عبر التلفزة الوطنية المتعهدة بنقل فعاليات البرلمان،وهو ما زاد من شعبيتها لدى بعض الشرائح الاجتماعية والسياسية وساهم ذلك في المقابل في ترذيل البرلمان والمس من الصورة الاعتبارية لنواب الشعب.

 

5-صراع الأجنحة وأقطاب الحكم ويعتمد فلسفة إضعاف الآخر .

 

وخارج صراع المحاور هذه فإن صراعا آخر تنخفض وترتفع وتيرته بانتظام بين رئيس الجمهورية من جهة وحركة النهضة ورئيسها من جهة أخرى ويتعمق الصراع يوما بعد يوم وينغرس في مسامات الحياة السياسية ويتمظهر علنا في خطابات وخطابات مضادة ومواقف متناقضة ومختلفة,يحتدم على إثرها صراع المحاور انتصارا لهذا الطرف أو ذاك داخل البرلمان وخارجه وداخل الحكومة وعلى أطرافها وهو ما ساهم في بروز وتكريس الفشل الحكومي الذي ارتهن للتجاذبات والمناكفات الحزبية ,ويكفي للتدليل والتأكيد على حجم المناكفات واحتدام الصراع تقديم عريضة لسحب الثقة من رئيس الحكومة من طرف جماعة النهضة وحلفائها في نفس اليوم الذي عُرضت فيه لائحة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب من المجموعة المناهضة لها.

وقد زادت حدة تصريحات رئيس الجمهورية وتلميحه لوجود مخطط لتقويض أركان الدولة وتهديد حياته من منسوب الإحباط والشك وفقدان الثقة وعدم توفر أمل في الإصلاح والانطلاق والخروج من الأزمة.

فرئيس الجمهورية أصبح يتوجس خيفة من الجميع ولذلك أختار أن يوكل لوزير الداخلية مهمة تشكيل الحكومة ويروج أنه طلب منه أن تكون مصغرة وان تتألف من كفاءات وطنية غير حزبية للنأي بالبلاد عن التجاذبات والمناورات والمؤامرات والتعطيل والإفشال،وقد عاضده في هذا التوجه اتحاد الشغل أكبر منظمة للشغيلة في تونس(700 ألف منخرط) واتحاد الصناعة والتجارة وعديد الأحزاب الوازنة ومجموعة من كتل البرلمان وعديد جمعيات المجتمع المدني وكذلك المهجة العامة لعديد الفعاليات الشعبية والجماهيرية وهو ما اعتبرته حركة النهضة خيارا غير صائب وهي تضغط الآن لمحاولة تغيير وجهة نظر رئيس الحكومة المكلّف.

 

ويروج كذلك أن رئيس الحكومة الجديد يعتزم الإبقاء على وزير الدفاع ووزيرة العدل ووزير الشؤون الاجتماعية ووزير الشؤون الدينية بطلب من رئيس الجمهورية ويتجه للتقليص من عدد الوزارات إلى 20 وزارة فقط .

 

6- التحديات

 

ومهما يكن من أمر فإن التحديات التي تعترض الحكومة الجديدة هي تحديات كبيرة ومنها تحدي وباء كورونا وتحديات الوضع الليبي وتداعياته على الداخل التونسي أمنيا واقتصاديا وانسانيا وتحديات المديونية الداخلية والخارجية التي فاقت 98% من الناتج المحلي وتحديات الأزمة الاجتماعية وازمة البطالة والأزمة الاقتصادية فضلا عن الأزمة السياسية التي أنتجها النظام السياسي المعتلّ والنظام الانتخابي المختلّ وإذا أضفنا لكل ذلك الصراع المعلن والدائر بين رئيس الجمهورية وحركة النهضة وتوابعها فإننا نضع إصبعا واحدا على أصل الداء ونشير إلى بعض التحديات، التي ينتظرها الطاقم الحكومي والتي ستعيق طريقه عومل كثيرة تحتاج اقتدارا جماعيا وابداعا فرديا للوزراء لدفع عجلة التقدم والانتعاش والانطلاق بالبلاد نحو النماء والسؤدد دون عراقيل تحجب عنها طريق الاستقراروهو ما يستوجب تجاوز إشكالات جوهرية عدة , ودونه فإن البلاد سترتهن للحلول الانطباعية والروتوش المؤقت ومقاربات ضغط الواقع وإكراهات الحلول الخارجية ولن تؤسس لإستراتيجية انطلاق راديكالية ناجعة وبناء حقيقي مستدام .

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق