تأثير النخبة على الحياة السياسية الفلسطينية

دكتور أيمن ابراهيم الرقب
Latest posts by دكتور أيمن ابراهيم الرقب (see all)

في أي مجتمع لابد من وجود النخب أو جماعات الضغط وهي ظاهرة صحية في أي مجتمع ناضج.

وتسعى كل جماعة أو نخبة للسيطرة على القرار السياسي وتسمى جماعات الضغط وينتمي إلي مستوياتها القيادية أفراد نخبوية من المجتمع بهدف التأثير على السياسة العامة للدولة تجاه موضوع أو قضية محددة ويعتبر هذا التأثير جوهر مصالح مشتركة لهذه الجماعة أو النخبة،وبالعادة تعتبر هذه الجماعات أو النخب بمثابة قوى وتكتلاتأو حتى أحزاب وتنظيمات، تهدف إلىالتأثير على صانعي القرار، كما تسعى كل جماعة أو نخب لاستغلال كل إمكانياتها المالية والإعلامية وحتى السلطوية لإقناع أفراد المجتمع للانتماء إليها لأن قوتها الأساسية تكمن في البعد الجماهيري والكم المؤيد لها من أفراد المجتمع.

جماعات الضغط تزدهر طرديا مع زيادة مساحة الحريات في كل بلد

وفي النظم السياسية المعاصرة، فإن وجود جماعات المصالح على تنوعها وتباين توجهاتها يُعدُ من أهم خصائص هذه النظم .

فجماعات المصالح تُعدُ من بين أبرز مؤسسات المجتمع المدني أو المؤسسات غير الحكومية فيها، وتتزايد قوتها وتأثيرها في وجود مناخ أكثر ديمقراطية، وعادة ما يتجه عددها إلى الاضطراد بتزايد معدلات ومستوى التنمية في المجتمع .

ومن هنا كان نموها وتقدمها أكثر وضوحًا في المجتمعات الديمقراطية أكثر من غيرها بوجه عام ويكون تأثيرها في هذه الحالة مؤثر ومهم للمجتمع ومفيد لنموه وتطوره؛ ولكن في المجتمعات القمعية والدول البوليسية يتحول دور هذه النخب إلى جامعات تقمع الحريات وتُحول أعضائها إلى عبيد مصلحة لما تحتاجهمن هذه الجماعة.

وتستخدم تلك الجماعات ما يمكنها من الوسائل بهدف التأثير على الرأي العام والحكومة، وعلى عملية صنع القرار السياسي بوجه عام في إطار سعيها لتحقيق مصالحها الخاصة.

وطبقًا لدور هذه الجماعات فإن الأفراد عادةما يتجهون للانضمام إلى تلك الجماعة أو غيرها للتعبير عـن مصالح مستقرة وقوية بدرجة كافية.

وهذا التقديم يقودنا للتعرف على وظائف جماعات الضغط في أي مجتمع ومنها:

– صياغة المطالب والتعبير عن الاتجاهات السياسية للحصول على مكاسب مادية لأعضائها.

– معارضة قرار أو سياسة ترى فيها إضرارًا بمصالح أعضائها.

– التعبير عن رأى قطاع معين من الرأي العام حيال القضايا العامة.

– عمل دعاية لسياسة معينة

– السعي للحصول على تمثيل مباشرفي أجهزة صنع القرار وخاصة البرلمان والأجهزة التنفيذية.

– المساندة الانتخابية، وتهدف إلى مساعدة مرشح ما على الفوز وإسقاط مرشح آخر، وقد تكون المساندة بالمال أو الرجال أو الدعاية أو الثلاثة معا.

– الدعاية والمعلومات، بهدف إقناع الجماهير واستثارة اهتمامها بفكرة أو سياسة ما.

– إقامة علاقات خاصة مع الأحزاب، وأهم صورها خلق كتل تشريعية داخل حزب أو أكثر لتدافع عن مصالح الجماعة.

وهذا يقودنا للتطرق إلى الجهات المؤثرة في صنع القرار السياسي وتكون هدفا لجماعات الضغط مثل :

أولاً / الرأي العام: توجد علاقة بينه وبين مختلف السياسات التي تؤطرها الدولة أو الحكومة حيث إن ما يفكر فيه الجمهور هو ما تفعله الحكومة فهو وجهة نظر الأغلبية تجاه قضية مهمة وتكون مطروحة للنقاش بحثا عن حل؛ فالرأي العام يملك التأثير في مسارات الحكومة وسياساتها والعكس صحيح.

ثانياً / الأحزاب السياسية: تؤدي دورا رائدا في توفير قنوات للمشاركة السياسية والتعبير عن الرأي فهي عامل مؤثر في القرار السياسي الصادر من أي جهة كونها تناقش النظام السياسي في مختلف المسائل الأساسية التي تعنى بالمجتمع والدولة داخليا وخارجيا وتعمل على إثارة الرأي العام وبالتالي تتألف قوة ضاغطة على الحكومة وسياساتها.

ثالثاً / الصحافة ووسائل الإعلام: صناع القرار يحتاجون إلى الاطلاع على وسائل الإعلام بكل أنواعها قبل اتخاذ أي قرار، ويمكن أن يكونوا تحت تأثير الدعاية .

هذه أهم قنوات التأثير التي تسعى لاستغلالها النخب السياسية وجماعات الضغط والتي تكون الأحزاب احدى أشكالها وبالطبع هذه النماذج كما ذكرنا يكون في المجتمعات الديمقراطية وينحصر دورها بشكل عكسي كلما تراجعت الديموقراطية في أي مجتمع .

الحالة الفلسطينية

النخب و جماعات المصالحفي الحالة الفلسطينية نجد أن عملية الصراع كبيرة بين نماذج مختلفة من جماعات الضغط والنخب السياسية وهو صراع بين الشكل الديموقراطي الذي يسعى إليه الشعب الفلسطيني وبين الشكل القمعي ومصادرة الحريات والتي يستخدمه صناع القرار الفلسطيني وهذا له عدة أسباب ظهرت بشكل جلي قبل قيام السلطة الفلسطينية وبناء الكيان الفلسطيني على الأرض لأول مرة و منها :

١ – ارتباط بعض الفصائل السياسية الفلسطينية بعلاقات مع دول عربية وإقليمية أثرت على صناعة القرار الفلسطيني بل وسعت ليكون لها دور في الحياة السياسية الفلسطينية.

٢- علاقة بعض القيادات الفلسطينية مع دول عربية وإقليمية جعلتها دمى في أيدي هذه الدول من خلال استغلال المال والنفوذ والمصالح والسعي لجعل هذه النخب صاحبة تأثير داخل المجتمع الفلسطيني .

٣ –استغلال بعض النخب السياسية سيطرتها على القرار السياسي ومحاولتها نفي الآخر مما أحدث حالة من القمعية السياسية للخصوم و أضعف دور جماعات الضغط في التأثير الايجابي على صناعة القرار الفلسطيني وتصويبه تجاه مصالح الشعب الفلسطيني.

هذه الأسباب جعلت دور النخب السياسية وجماعات الضغط بلا قيمة او تأثير بل زادت من جراح الحالة الفلسطينية.

فمثلا نرى حركة فتح التي تسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية منذ سبعينات القرن الماضي وسيطرة على السلطة الفلسطينية بعد تأسيسها عام ١٩٩٤م ورغم محاولتها لاقامة كيان ديموقراطي من خلال انتخابات برلمانية عام ١٩٩٥م بمشاركة كل الفصائل الفلسطينية إلا أنها اصطدمت بفصائل و جماعات رفضت المشاركة في الانتخابات بحجة انها نتاج اتفاق سلام ترفضه هذه الفصائل والجماعات مما جعل أغلبية البرلمان يتبعون لحركة فتح وبالتالي التحول السلبي لدور جماعات الضغط والنخب الفلسطيني لنخب تخدم الفرد بدل من المجتمع ، وفي عام ٢٠٠٦ م انقلبت الأمور بشكل دراماتيكي فحركة حماس التي كانت ترفض الانتخابات شاركت بها وفازت بأغلبية أعضاء البرلمان وللأسف وقعت حركة حماس في نفس الشرك الذي وقعت به حركة فتح وبدأ صراع النخب السياسية الفلسطينية يدخل منحى آخر أفسد بشكل عام الحياة السياسية الفلسطينية وأصبحت مرتعاً لتدخل دول إقليمية في الحياة السياسية الفلسطينية وبالتالي فشلت التجربة الفلسطينية وهي في مرحلة ميلادها وأصبح لدينا شكلين من الحكم واحد في قطاع غزة تسيطر عليه حركة حماس والآخر في الضفة الغربية، تسيطر عليه حركة فتح وتحولا  إلى كيانين بوليسيين يقمع معارضيه وما يميز كيان الضفة هو وجود رئيس يتعامل معه المجتمع الدولي كممثل للشعب الفلسطيني.

اختفاء تأثير النخب الفلسطينينة أثر بالسلب على القضية الأم بعد تسخيرها لخدمة أشخاص وليس الدولة

لقد أثرت هذه الحالة على دور النخب وجماعات المصالح التي لم يعد لها دور تأثيري في المجتمع وأصبح حكام هذين الكيانين هم من يمتلكان كل شيء ويستغل كل طرف نفوذه وماله في صناعة نخب وجماعات تؤيده وتدعم مواقفه وبالطبع يحدث ذلك في ظل شلل الحياة التشريعية الفلسطينية وطغيان الحياة الفردية وطغيان السلطة التنفيذية على كل السلطات داخل المجتمع .

فلم يعد هناك دوراً للرأي العام ولا للصحافة والإعلام  ولا حتى للفصائل السياسية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني وأصبح كل كيان يهتم بمصالح أفراده على حساب مصالح المجتمع بشكل عام على اعتبار أن هؤلاء الأفراد سيكونون قوته في انتخابات قادمة إذا حدثت.

هذه الحالة الفلسطينية أصابت جميع مكونات المجتمع الفلسطيني بالإحباطوتحولت القضية الفلسطينية لقضية مصالح لبعض النخب والجماعات المحدودة .

الخلاصة

كما ذكرت أنه في أي مجتمع صحي ينبغي على مجموعات الضغط تحديد أدوات الضغط التي سوف تستخدمها لتحقيق أهدافها، وإن أدواتأهداف أي جماعة ضغط في دولة ما لا ينطبق على جميع الدول، فما يصلح من أدوات في دولة ما لا يصلح ربما في دولة أخرى، وهذا يعني أن مجموعات الضغط تحتاج العنصر البشري إذ أن المصادر البشرية على الأرض في الدول مهمة لتحقيقأهداف هذه الجماعات وكذلك من أجل الحصول على التغذية العكسية في المراحل الأولية لجمع المعلومات والبيانات، هذه البيانات والمعلومات بالتأكيد تشكل قاعدة بيانات في عمل أي دولة لضمان نجاح عملها، ومن خلالها يتم فرز الأدوات، ليسير عليها العمل في المرحلة القادمة .

ولكن في الحالة الفلسطينية ونتيجة الأسباب التي سقناها لم يعدد لجماعات الضغط دور في تحديد أدوات عملها أو حتى اختيار النموذج الذي يمكنها تنفيذه في الكيان الفلسطيني، وهذا لا يعني أن الحالة الفلسطينية رغم هذه الظروف التي ذكرناها قد انتهت للأبد وإذا قُدر لها أن تتعافى مما هي عليه الآن فقد تصبح حالة نموذجية في العالم العربي وذلك نتيجة الخبرات المكتسبة لجماعات المصالح والنخب السياسية مما عاشوه خارج وداخل الوطن ولكن هذا لن يحدث إلا إذا اقتنع الجميع بضرورة عودة الحياة الديمقراطية للحياة الفلسطينية مع إعطاء هامش لكل السلطات و إبراز دور مؤسسات المجتمع المدني و بالتالي ستولد جماعات ضغط ونخب سياسية قادرة على تطوير الحياة السياسية الفلسطينية.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق