النجف مقابل قُم … صراع الهوية داخل الحشد الشعبي

الخلاف داخل فصائل العتبات وكتائب الخامئني دفع لضرورة إعادة تعريف الحشد

فراس إلياس

جاء بروز الحشد الشعبي بناءاً على فتوى المرجع الشيعي السيد علي السيستاني في حزيران | يونيو 2014 لمحاربة تنظيم داعش، وقد عرفت هذه الفتوى بـ(الجهاد الكفائي)، وبموجب هذه الفتوى تشكلت فصائل جديدة، إلى جانب فصائل كانت قائمة قبل هذه الفتوى، لتشكل بمجملها مايعرف اليوم بالحشد الشعبي، ومن أجل إعطاءه بعداً مؤسساتياً وتنظيمياً، أصدر مجلس النواب العراقي القانون رقم 40 لسنة 2016، والذي عرف بقانون هيئة الحشد الشعبي والمؤسسات التابعة له.

تشكل الحشد الشعبي من عدة فصائل مسلحة غير متجانسة ومنتظمة، ومتوزعة على عدة ولاءات وانتماءات قومية ومذهبية، حيث يتكون اليوم من 164 ألف مقاتل ( 110 ألف شيعي – 45 ألف سني – 9 ألاف للأقليات)، يتوزعون على عدة فصائل، 67 فصيلاً شيعياً (44 يقلدون المرشد الأعلى علي خامنئي، 17 يقلدون المرجع الشيعي علي السيستاني)، 43 فصيلاً سنياً، 9 فصائل للأقليات، ويشكل الحشد الولائي التابع لخامنئي حوالي 70 ألف مقاتل، مقابل 40 ألف مقاتل يتبع حشد العتبات التابع للسيستاني، بما فيها “سرايا السلام” التي تتبع السيد مقتدى الصدر.

وفاة مهدي المهندس أفقدت الحشد الشعبي بوصلة التناغم وطريقة التعامل مع الواقع والفصائل الأخرى

أدى نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس قبل مقتله، دوراً كبيراً في إعادة صياغة العلاقات داخل هيئة الحشد الشعبي على نحواً أكثر مركزية، وبالشكل الذي همش من فعالية الفصائل الرئيسة الأخرى داخل الحشد، وتحديداً حشد العتبات، التي تعتبر نفسها الركيزة الشرعية التي يقوم عليها الحشد الشعبي اليوم، خصوصاً وإنها تتبع للمرجع الشيعي السيستاني، الذي أطلق فتوى (الجهاد الكفائي)، وفي هذا الإطار؛ يشكل الارتباط العقائدي للمهندس باعتباره مقلداً للمرشد الأعلى خامنئي، جزءاً رئيساً في ترسيخ مركزيته والفصائل الأخرى المقلدة له على هيكلية الحشد، إذ إنه كان ينظر للحشد الشعبي، على أنها مؤسسة تتجاوز وظيفتها حدود العراق، وإنها جزءاً من محور المقاومة الذي تقوده إيران في الشرق الأوسط، على عكس نظرة حشد العتبات، وعلى رأسها فرقة العباس القتالية التي يقودها ميثم الزيدي، الذي يؤمن بأن الوظيفة الأساسية للحشد الشعبي هي محاربة تنظيم داعش فقط، دون الاشتراك في أي استحقاقات إقليمية أخرى.

قاوم المهندس أية محاولات حكومية لتفكيك “المركزية” التي صنعها للفصائل الولائية داخل هيئة الحشد الشعبي، ويتضح ذلك من خلال سيطرة كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء وجند الإمام، على المفاصل الرئيسة داخل هيئة الحشد، وأهمها (الأمن المركزي، الاستخبارات، الدائرة المالية، التوجيه العقائدي، رئاسة الأركان، الوحدات التكتيكية الخاصة (الصواريخ ومضادات الدروع)، وهي مركزية عمقت الخلاف كثيراً داخل هيئة الحشد الشعبي، إلى الدرجة التي دفعت حشد العتبات إلى إعلان فك ارتباطها عن هيئة الحشد الشعبي، وتحويلها لوزارة الدفاع العراقية في نيسان | أبريل 2020.

مسارات الصدام الداخلي

أدت التحولات الكبيرة التي مر بها الحشد الشعبي مطلع العام الحالي، إلى تصاعد حدة الخلافات الداخلية فيه، بسبب غياب ضوابط الإيقاع التي كانت موجودة خلال فترة المهندس وقاسم سليماني، كما لعبت إيران دوراً كبيراً في ترسيخ هذه الخلافات، وساهمت هذه الظروف بدورها بدخول الحشد الشعبي في مرحلة جديدة، تمثلت أبرز مظاهر هذه المرحلة، غياب المركزية التي كانت متجسدة في شخصية المهندس، وتصاعد الخلاف بين أقطاب الحشد الشعبي، (الفصائل الولائية بقيادة أبو فدك المحمداوي، وحشد العتبات بقيادة ميثم الزيدي)، إلى جانب تصاعد الضربات الأمريكية على مواقع الفصائل الولائية داخل العراق وخارجه، وكانت من أقوى هذه الضربات هي تلك التي وجهت لمعسكرات أمرلي وقاعدة الإمام علي على الحدود مع سوريا.

هذه التحديات ارتبطت بتحديات سياسية أخرى، أهمها الدعوات المتكررة من قبل مرجعية النجف إلى ضرورة تطبيق القوانين والأوامر الديوانية الخاصة بإعادة هيكلة الحشد الشعبي، بما يجعل منه مؤسسة أكثر توازناً وحرفية، وهي دعوات واجهتها الفصائل الولائية بالرفض، كونها سارت في إطار ترسيخ مركزية جديدة داخل هيئة الحشد الشعبي، بالتحول من مركزية الفرد إلى مركزية الفصائل الولائية، والحديث هنا عن كتائب حزب الله إلى جانب فصائل أخرى، التي تسيطر اليوم على أغلب المفاصل الرئيسة داخل الهيئة، إلى جانب ثقلها العسكري والميداني، فهي على الرغم من قلة الدعم العسكري الذي تتلقاه من الحكومة العراقية، مقارنة بجهاز مكافحة الإرهاب أو الجيش العراقي، إلا إنها استطاعت أن تطور مصادر تمويل ذاتية خاصة بها، بحيث لم يتضح حتى اللحظة أنها تأثرت من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

هذه التحديات بمجملها، دفعت بالفصائل الولائية إلى اعتماد سياسة التمرد على القرارات الحكومية، والأكثر من ذلك لم تلتزم بسياسات التهدئة التي دعت إليها الحكومة العراقية مع الوجود الأمريكي في العراق، حتى يتم التوصل إلى توافق على هذا الوجود عبر الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وعملت هذه الفصائل على تشكيل فصائل أو “خلايا الكاتيوشا”، التي استهدفت القوات الأمريكية في قاعدة التاجي وبلد، فضلاً عن هجمات مستمرة على السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، وأبرز هذه الفصائل هي عصبة الثائرين، التي تبنت أغلب هذه الهجمات.

مؤتمر حشد العتبات وفك الإرتباط بالهيئة

بعد ستة أعوام على تشكيلها، تشهد “حشد العتبات” نشاطاً غير معتاد بدأته أول كانون أول| ديسمبر الجاري، بعقد مؤتمراً خارج إطار هيئة الحشد الشعبي، بينما يتباين فهم دلالاته، في ظل تخوف من قتامة الوضع السياسي والأمني في العراق، وأقيم المؤتمر تحت شعار “حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة”، ودارت أولى جلسات المؤتمر حول أقسام الإدارة  والمالية في ألوية الحشد الشعبي، الذي تنتمي إليه فصائل العتبات، وربما يعكس مضمون الجلسة الأولى “معاناة” حشد العتبات من شح الدعم المالي والتسليح والتجهيز والتعتيم على دور مقاتليه في الحرب على تنظيم داعش، على عكس الفصائل الموالية لإيران، وهو ما يطلق عليه البعض “الحشد الولائي”.

أعلن في الخميس 3كانون أول/ ديسمبر 2020 البيان الختامي للمؤتمر الأول لـحشد العتبات، في ثمان نقاط، تضمنت مطالب وتوصيات وتوجيهات إلى مقاتلي الألوية التابعة له، وهي (كتائب علي الأكبر، فرقة العباس القتالية، حشد المرجعية، فرقة الإمام علي)،   وخلص المؤتمرون، إلى التشديد على الحفاظ على منجزات النصر على داعش، والإلتزام التام بالقانون والدستور، ومطالبة البرلمان والحكومة بالاهتمام في موضوع الاستقرار الإداري لأبناء الحشد، والمطالبة بتطبيق التعليمات القاضية، بحرية اختيار المقاتلين جهة صرف رواتبهم، وعدم اجبارهم على أي جهة.

موقع الحشد الشعبي في جسد النظام السياسي.

يتصرف الحشد الشعبي اليوم كدولة موازية، فهو يدير نظاماً قضائياً موازياً وسجوناً سرية، واقتصاد موازِ غير شرعي، وجهداً حربياً موازياً يقوض وحدة القيادة عبر المؤسسة العسكرية العراقية.  وهو وضع أشر بدوره لطبيعة التعقيد الذي أنتجه وجود الحشد الشعبي في المشهد الأمني العراقي، وهو أمر جعل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يفكر ملياً في كيفية إعادة تطبيع وضع الحشد الشعبي.

جاءت رغبة الكاظمي لإعادة تعريف الحشد الشعبي ودوره عبر مبادرات عدة، وكان قد أعلن عن أولى هذه المبادرات في زيارته لمقر  هيئة الحشد الشعبي في 16 حزيران| يونيو 2020، عندما أكد على أن الحشد الشعبي هو حشد المرجع الشيعي السيستاني، وأن القانون رقم 40 لسنة 2016، سيكون الأساس لأي تعامل حكومي مستقبلي مع وضع الحشد الشعبي، وهو توجه قد يغير وضع الحشد الشعبي إذا ماتم، كونه سيخفف من سطوة الفصائل الولائية المهيمنة على الحشد الشعبي، والتي ترفض بشدة تطبيق هذا القانون.

ترى الفصائل الولائية أن جهود تطبيع الحشد الشعبي تأتي في سياق خطة أمريكية  ضد إيران وأن أي مبادرة يجب أن يكون مصدرها الداخل العراقي

ختاما تنظر الفصائل الولائية إلى جهود تطبيع الحشد الشعبي، بأنها جزء من استراتيجية أمريكية موجهة ضد إيران، ومن ثم فإنها أعلنت في أكثر من مرة، بأنها ينبغي أن تكون جزءاً من قيادة أية عملية إصلاحية تطال الحشد الشعبي، وأن تكون هذه العملية من الداخل، ورفض أي جهود إصلاحية تأتي من الخارج، والأكثر من ذلك، تنظر هذه الفصائل بأن أي عملية إصلاحية ينبغي أن لا تؤثر على دور ومهام الحشد الشعبي، وهو مايجعل من مسألة تطبيع الحشد الشعبي مسألة تخضع لمتغيرات داخلية عراقية، واستحقاقات إقليمية ودولية.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق