المصالحة الفلسطيينة.. النوايا الحسنة وحدها لا تكفي

دكتور أيمن ابراهيم الرقب

لم يكن اللقاء الذي عقده كلا من جبريل الرجوب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وصالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الثاني من يوليو/تموز عام  2020م هو اللقاء الأول، حيث سبق ذلك مئات اللقاءات بين حركتي فتح و حماس، وسرعان ما كانت تنتهي دون نتائج تذكر، لقد أخذ هذا المؤتمر الصحفي بين جبريل والعاروري أهمية خاصة لأنه جاء بعد قطيعة دامت أكثر من عامين، وجاء  في إطار مواجهة خطة الضم الإسرائيلية.

وللأسف كالعادة هذا المؤتمر لم يتضمن تصورا لكيفية انهاء الانقسام واستعادة الوحدة بعد مرور ثلاثة عشر عاما على الانقسام الفلسطيني الداخلي، ومن غير الواضح قدرة هذا اللقاء والحوارات التي تلته بين الحركتين على إحداث تحول أو خلق أفق لتسوية تعيد اللحمة السياسية للكيان الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

بقيت الحلول المطروحة لاستعادة الوحدة وانهاء الانقسام لا تتجاوزاتفاق القاهرة عام 2011، وتظهر نتائج الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في يونيو/حزيران 2020 أن حوالي ثلثي الجمهور متشائمون بإمكانية استعادة الوحدة قريبا .

أدى طول فترة الانقسام الفلسطيني إلى إعادة طرح طبيعة النظام الإداري في السلطة الفلسطينية للنقاش من حيث شكله وعلاقته بطبيعة الكيان السياسي، حيث تعمقت الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة ليس فقط بسبب الانقسام بل لعدة عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية وغيرها، كما ازداد إحساس سكان قطاع غزة بالعزلة والإهمال والإحباط وعدم الثقة في النظام السياسي الفلسطيني القائم .

خلفية تاريخية

تكتسي استعادة الوحدة أهمية بالغة لدى الشعب الفلسطيني باعتبارها مصلحة وطنية عليا، لكن الخلافات تتعمق كلما اقترب أي حوار من مصالح أو مكتسبات أي طرف من الأطراف الحاكمة في الضفة و قطاع غزة، كما تتجذر الفرقة كلما انقضى الزمن، فبعد ثلاث عشرة عاما على الانقسام باتت إمكانية استعادة الوحدة أصعب مما كانت عليه في السنوات الأولى بسبب الافرازات المؤسساتية والثقافية أو البنى الاجتماعية و نواتجها.

لقد فشلت الحوارات والاتفاقيات التي تم توقيعها سواء بين حركتي فتح وحماس أو الاتفاقيات الجماعية التي وقعتها الفصائل الفلسطينية مجتمعة بدءا من اتفاق القاهرة عام 2011 مرورا باتفاق الشاطئ وقبله اتفاق الدوحة وصولا إلى اتفاق أكتوبر 2017 القاضي باستلام حكومة الوفاق الوطني لمؤسسات السلطة في قطاع غزة وإدارة المعابر، كذلك فشلت الحكومات المتعاقبة في توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات العامة سواء التشريعية أو الرئاسية.

كما اصطدمت المحاولة الأخيرة لإنهاء الانقسام التي قادتها لجنة الانتخابات المركزية برئاسة د. حنا ناصر لإجراء الانتخابات التشريعية كخطوة على طريق الانتخابات الرئاسية واستعادة الوحدة بعدم إصدار المرسوم الرئاسي بحجة عدم اليقين بإمكانية إجراء هذه الانتخابات في مدينة القدس.

ويبدو أن الأطراف المتنازعة ما زالت تعتقد أنه يمكن الحصول على مبتغاها القاضي بتحييد الآخر في مناطق سيطرتها أو الظفر بمقاليد النظام السياسي دون وصول الاخرين أو مشاركتهم فيه، هذا الأمر بات غير ممكنا لأسباب موضوعية حاكمة تتعلق بالجغرافيا والقدرة المادية وكذلك التأييد الشعبي.

الموقف الشعبي من الانقسام

تشير استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية إلى أن الجمهور الفلسطيني متشائم بمستقبل المصالحة واستعادة الوحدة في الوقت القريب نتيجة للممارسات التي تقوم بها الأطراف في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ففي الوقت الذي يحظى انهاء الانقسام وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة بتأييد واسع بين جمهور من الفلسطينيين باعتبارها مصلحة وطنية عليا، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع رقم 75 الذي أجراه المركز الفلسطيني في شباط/ فبراير 2020م  أن نسبة  90% من المواطنين يؤيدون انهاء الانقسام وتوحيد الضفة والقطاع للرد على الخطة الأمريكية وعلى ضم إسرائيل لأراضي فلسطينية ،في المقابل يقول 29% من الجمهور إنهم متفائلون بنجاح المصالحة فيما يقول 64% بأنهم غير متفائلين، وفقا لنتائج الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في حزيران/ يونيو 2020.

كما أن نسبة  41% تعتقد أن الوحدة لن تعود وسينشأ كيانان منفصلان في الضفة و قطاع غزة فيما تعتقد نسبة  40% أن الوحدة ستعود ولكن بعد فترة طويلة وتعتقد نسبة  12% فقط أن الوحدة ستعود في وقت قريب.

بالإضافة لما سبق ذكره، وجدت نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجراه المركز الفلسطيني في شباط/فبراير 2020 تباينات في مواقف وآراء وانطباعات المواطنين في كل من الضفة والقطاع حول مسائل متعددة: ففي الوقت الذي يرى 25% من المواطنين في قطاع غزة أن استمرار حصار قطاع غزة واغلاق معابرة تعد المشكلة الأساسية التي يجب أن تحظى بالأولوية للسلطة الفلسطينية فإن 8% فقط من المواطنين في الضفة الغربية يعتقدون ذلك.

ينعكس هذا التباين على أولية مكافحة الفساد في مؤسسات السلطة بفارق 23 نقطة حيث يرى 34% في الضفة بأنها يجب ان تحظى بالأولية مقابل 11% في القطاع.

ويزداد الفارق بحوالي 28 نقطة في تقييم أداء الرئيس محمود عباس منذ انتخابه حيث يقول 77% من سكان القطاع بأنهم غير راضين مقارنة بـ 49% في الضفة،كما يظهر الاختلاف أيضا في مسألة إجراء الانتخابات حتى ولو كان الثمن تصويت سكان القدس في صناديق اقتراع خارج المدينة على خلاف الانتخابات الرئاسية التشريعية التي جرت في 2005 و2006 على التوالي، حيث يوافق 51% من سكان الضفة الغربية على ذلك مقارنة بـ37% من سكان قطاع غزة، كذلك يقول 51% من سكان الضفة أن السلطة انجاز للشعب الفلسطيني مقارنة بـ 39% في قطاع غزة، فيما يرى 55% من سكان غزة ان السلطة الفلسطينية قد اصبحت عبئاً على الشعب الفلسطيني مقابل 42% من سكان الضفة.

تأثيرات الانقسام على الفجوة الاقتصادية بين الضفة والقطاع

نتج خلال الثلاثة عشر عاما من الانقسام تحولات عميقة على الاقتصاد في قطاع غزة، مقارنة بالضفة الغربية،  جزء منه نجم عن الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ اكثر من أربعة عشر عاما للقطاع ما أدى إلى تراجع حاد في التنمية الاقتصادية، كما كانللعدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة دورا في  تدمير البنى التحتية وممتلكات الافراد والمنشآت الاقتصادية، ولعب الانفصال عن الضفة الغربية دورا مهما حيث حظيت الضفة بدعم اقتصادي سواء من الدعم الدولي أو الانفاق الحكومي الواسع سواء في التوظيف أو الاستثمار في القطاعات المختلفة، بالإضافة إلى تدفق العمالة في إسرائيل، في حين منع التوظيف في قطاع غزة و نفذت الحكومة خصومات على رواتب موظفيها في قطاع غزة دون الضفة الغربية واحالة جزء كبير منهم الى التقاعد المبكر الإجباري.

 

تشير بعض المؤشرات الاقتصادية إلى فروقات واسعة، حيث تبلغ نسبة الفقر بين الافراد في قطاع غزة للعام 2017، وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 53% مقارنة بـ 13% في الضفة الغربية، كما ترتفع البطالة في قطاع غزة بمقدار ثلاثة أضعاف مثيلاتها في الضفة الغربية، ينخفض معدل الأجر اليومي للعاملين في القطاع الخاص إلى 44 شيكلا ( الشيكل هي العملة الإسرائيلية وهي عملة التداول الفلسطينية ) في قطاع غزة مقارنة بـ118 شيكلا للعاملين في الضفة الغربية.

ووفقا لمؤشرات الحسابات القومية في فلسطين للعام 2018 فإن الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 15.6 مليار دولار أمريكي تساهم الضفة الغربية فيه بحوالي 12.8 مليار دولار أمريكي فيما يساهم قطاع غزة بحوالي 2.8 مليار دولار أمريكي فقط. كذلك، يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في قطاع غزة حوالي ثلث ما يبلغ نصيب الفرد في الضفة الغربية، أي 1458 دولار أمريكي مقابل 4854 دولار أمريكي.

الانتخابات الفلسطينية

أوقف الانقسام الداخلي السند الرئيسي الذي يقوم عليه النظام السياسي الفلسطيني المتمثل بالانتخابات الحرة لاختيار ممثليه في المجلس التشريعي وانتخاب رئيس السلطة. فقد انقضت عشر سنوات منذ انتهاء مدة ولاية رئيس السلطة والمجلس التشريعي في يناير 2010 وفقا لقانون الانتخابات الذي جرت على أساسه الانتخابات العام 2006.

يشكل إجراء الانتخابات الفلسطينية حاجة أساسية لبناء نظام ديمقراطي يحظى بالمشروعية، لكن عدم إجراء الانتخابات في الضفة وقطاع  غزة يُفقد النظام السياسي القدرة على الانتقال الديمقراطي، ويحجر على حق المواطنين في اختيار ممثليهم في الحكم، ويضاعف من المأزق السياسي الفلسطيني باستمرار تآكل شرعية مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.

إن عدم إجراء الانتخابات للمؤسسات السياسية في السلطة الفلسطينية سيبقى المؤسسات السياسية غير خاضعة للمساءلة ولمبدأ المشروعية، ويبقي الجهاز القضائي خاضعا للتدخلات، ويضيق من ضمانات الحريات العامة وحقوق الانسان، ويضعف من استقلالية المجتمع المدني وتعدديته.

التأثير الأقليمي على الانقسام الفلسطيني

كذلك أدى الانقسام الداخلي، على مدار السنوات الثلاثة عشر الماضية، إلى تحويل الملف الفلسطيني لمكون من مكونات الصراع الإقليمي بين القوى الإقليمية المختلفة، كما أن وجود ارتباطات لأطراف فلسطينية مع هذه القوى والمحاور الإقليمية أضعف الجبهة الفلسطينية وحدّ من إمكانية استعادة الوحدة بسبب الخلافات بين هذه القوى، وتعرض الفلسطينيون، خاصة في قطاع غزة، إلى تحمل أعباء إضافية ناجمة عن الصراعات الإقليمية.

كما أن الدخول في لعبة المحاور الإقليمية وتبعثر الجهود الفلسطينية والإقليمية، وعدم القدرة على تمكين الحكومة من العمل في قطاع غزة أو انشاء حكومة شرعية جعل انهاء الحصار الإسرائيلي غير ممكن بل منح الطرح الإسرائيلي قبولا من بعض الأطراف الدولية لهذا الحصار، وأبقى النظر إلى قطاع غزة من باب المساعدة الإنسانية بحدها الأدنى دون النظر إلى الاحتياجات السياسية الفلسطينية بإنهاء الاحتلال واقامة دولتهم المستقلة، وعزز ادعاء اسرائيل بعدم وجود شريك للسلام قادر على الحديث باسم كافة الفلسطينيين.

 

الخلاصة

إن الخروج من الأزمة الحالية لن يتحقق إلا باستعادة الوحدة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وهذا يستدعي النظر بعقل مفتوح وبعين فاحصة لطبيعة العلاقة بين الضفة وقطاع غزة في ضوء تجارب متعددة بدلا من الإبقاء على الانقسام الذي سيفضيإلى الانفصال حتما مع مرور الوقت، كما يتطلب تقديم حل يخلق توازنا بين مصلحة الحفاظ على النظام السياسي وصون الثقافات وحماية الخصوصية للسكان والظروف الخاصة للمنطقة الجغرافية وأدوات ربط ناجعة بينهما.

و سنتناول خيارات وبدائل لتحقيق مصالحة حقيقية فلسطينية بدلا من سياسة الباب الدوار في مقالنا البحثي القادم.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق