العراق يعود إلى العمق العربى ويبطل سحر إيران بمشروع الشام الجديدة

فراس إلياس

برز الحديث عن مشروع الشام الجديدة، كأولى المخرجات السياسية التي تمخضت عن زيارة رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي لواشنطن الأسبوع الماضي، وحملت هذه الزيارة كثير من الحديث عن مدى إنعكاسها على مستقبل العراق كدولة ومؤسسات، خصوصاً وإنه يعاني اليوم من أزمة (منظومة دولة تعاني مشاكل إقتصادية وأمنية وصحية)، بما في ذلك استمراراها ساحة للصراع المزدوج بين الولايات المتحدة وإيران.

عملية الإحياء الشيعي أنذرت بتشكيل شرق أوسط جديد يرتكز حول الإنقسام الديني بين الشيعة والسنة

لايخفى على أحد أن السعي لإيجاد نموذج جديد للعراق، على المستويين الداخلي والخارجي، مثل رغبة طموحة للسيد الكاظمي منذ توليه رئاسة الوزراء، هذا النموذج الذي لم يتمكن أي رئيس وزراء عراقي الحديث عنه قبل أكتوبر/ تشرين الأول 2019، موعد انطلاق التظاهرات الاحتجاجية في بغداد وباقي مدن جنوب العراق، ولعل حالة الضغط الشعبي الذي تتعرض له القوى السياسية والمليشياوية القريبة من إيران في العراق، شجع بدوره السيد الكاظمي على التماهي شيئاً فشيئاً عن النفوذ السياسي الإيراني في العراق، والذي هندس بدوره كل الحكومات العراقية بعد عام 2003.

البداية مع الهلال الشيعي

بعد احتلال العراق عام 2003، ظهرت كثير من الشكوك حول الجيوبوليتيك الشيعي، فإيران بإعتبارها أقوى دولة شيعية في العالم الإسلامي، سعت إلى استخدام هذه الحقيقة الجغرافية لتعزيز أهدافها ومصالحها الوطنية، هذا إلى جانب بروز حقائق سياسية أخرى، كوصول الشيعة إلى السلطة في العراق عام 2003، وفوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني 2006، والحرب الإسرائيلية على لبنان في نفس العام، وهي كلها حقائق غيرت الوضع الجيوبوليتيكي في منطقة الشرق الأوسط، فعملية التمكين السياسي للشيعة، أدى إلى تشكيل كتلة شيعية عابرة للحدود الوطنية، وأعطت دَفعة قوية للسياسة الخارجية الإيرانية في العالم العربي.

إن هذا الوضع الجيوبوليتيكي دعا ملك الأردن عبد الله الثاني، إلى القول إن النتيجة الرئيسة للحرب على العراق؛ هي تشكيل جغرافيا شيعية تحت السيطرة الإيرانية، وقال إن هيمنة الأحزاب الموالية لإيران على الحكومة العراقية الجديدة، سوف يظهر هلال جديد من الأحزاب أو الحكومات التي يهيمن عليها الشيعة في العالم العربي، وهو ما سيؤدي إلى زعزعة توازن القوى بين السنة والشيعة، وأضاف بأن هذا الوضع الجيوبوليتيكي سيكون بمثابة تحدي جديد لمصالح أمريكا وحلفائها، ويجب أن يكون المخططون الإستراتيجيون في العالم مدركين لهذا الاحتمال.

وبالنظر إلى تعزيز الوضع الجيوبوليتيكي الشيعي ضد الجيوبوليتيك السني، والخوف من قوة إيران المتنامية، يمكن القول إن عملية الإحياء الشيعي أنذرت بتشكيل شرق أوسط جديد، يرتكز حول الانقسام الديني بين الشيعة والسنة، إذ أن ظروف الانقسام الدولي التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة، يمكن أن تنعكس مرة أخرى على العالم الإسلامي، بحيث نكون أمام عالمان، عالم سني وأخر شيعي، إن هدف الولايات المتحدة في تصوير الهلال الشيعي، هو تقديم «هلال أزمات» جغرافي سياسي يبدأ من إيران، ويشمل العراق وسوريا، وينتهي بحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، وهو مايمكن أن نطلق عليه بأكبر جيوبوليتيك طاقوي يمتد من مضيق هرمز إلى بحر قزوين، ويتوسع للسيطرة على العالم الإسلامي.

الشام الجديدة والحاضر المتغير

شهد مشروع الشام الجديدة الذي دعى إليه السيد الكاظمي في قمة عمان، خلال القمة التي جمعته بالملك الأردني عبدالله الثاني، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في يوم 25 أغسطس/آب 2020، إحدى أبرز تحركات السيد الكاظمي لإعادة صياغة الصورة النمطية التي أخذت عن العراق خلال الفترة الماضية، وأهمها عدم وجود هوية واضحة للسياسة الخارجية العراقية، فضلاً عن أن تحرك العراق حيال مصر في الوقت الحاضر، قد يشكل انعطافة كبيرة في خارطة التوازنات الإقليمية، التي شهدت حالة من الاختلال وعدم التوازن، بالشكل الذي يميل لقوى أخرى كتركيا وإيران، فالعراق ومصر على الرغم من واقعهما غير المستقر خلال الفترة الماضية، إلا إنهما بعمقهما الحضاري وثقلهما التاريخي، قد يعيدان التأسيس لحالة توازنية جديدة في المنطقة.

إن التأكيد على العمق العربي للعراق عبر بوابة مشروع الشام الجديدة، الذي من الممكن أن يكون بديلاً إقتصادياً إقليمياً ناجحاً عن الهلال الشيعي، الذي سعت إيران خلال الفترة الماضية ربط العراق فيه سياسياً وأمنياً فيما يسمى بـ«محور المقاومة»، قد يشكل ركيزة أساسية في مشروع الإصلاح الذي تبناه السيد الكاظمي في الداخل العراقي، فطرح مشروع بصيغة اقتصادية بعيدة عن الصيغة الأمنية، قد يقلل من مخاوف حلفاء إيران في العراق، والذين حاولوا خلال الفترة الماضية إبعاد العراق عن أية محاولات للتقرب من عمقه العربي.

اعتماد فكرة التنويع في سياسة العراق الخارجية، مهم في الوقت الحاضر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتركيا وإيران، اللتان تعيشان مشاكل كبيرة مع البيئة العربية، وبالشكل الذي يخدم العراق سياسياً وأمنياً وإقتصادياً، فالعراق عانى تحديات كبيرة في سياقات التعامل مع هذين الجارين، ولهذا فإن إنجاح مشروع الشام الجديدة، قد يعيد القوة للجيوبوليتيك العراقي، في الإطار الذي يجعله يمتلك كثير من أوراق الضغط حيالهما.

الدور المصري يشكل فرصة الخلاص أمام العراق للهروب من سيطرة إيران وضرب الهلال الشيعي

فالعراق يمثل بوابة تركيا نحو البحر الأحمر، وبوابة إيران نحو البحر الأبيض المتوسط، كما أن تواجده إلى جانب مصر والأردن، فضلاً عن السعودية قد يعيد إنتاج ثقل جيوسياسي مهم للعراق، في سياق العلاقات التي تربطه بكل من تركيا وإيران، وعلى هذا الأساس فإن إنجاح مشروع الشام الجديدة، قد يشكل البداية لضرب الهلال الشيعي بقيادة إيران، تحديداً أن العراق يشكل جزءاً مهماً منه.

مخرجات قمة عمان عراقياً

جاء البيان الختامي للقمة التي جمعت قادة العراق ومصر والأردن، ليؤكد حقيقة المخاوف التي تعيشها هذه الدول اليوم، وتحديداً في ملفات مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي، إذ أشار البيان إلى أن «الأردن ومصر يقفان مع العراق في مواجهة الإرهاب وحماية سيادته من أي تدخلات خارجية، وأي انتهاكات لحدوده، وأهمية تفاعله مع المحيط العربي والإقليمي، لتمتين الأمن الوطني العربي والعراقي»، كما أكد البيان على أن الأمن المائي المصري «جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي»، وشدد زعماء الدول على ضرورة التوصل لاتفاق يضمن حق مصر والسودان المائي، على خلفية سد النهضة الأثيوبي، فضلاً عن تأكيدهم على مركزية القضية الفسطينية، وضرورة تحقيق السلام الشامل والعادل على أساس حل الدولتين، والذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو/ حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

عروبة العراق وشيعته.. هل يبطل الكاظمي سحر  إيران؟

وعن طموحات الكاظمي من هذه القمة، فإنه ينظر إلى أن العراق يمتلك فرصة للخلاص من الواقع الراهن، وذلك لمؤشرات كثيرة أهمها الشارع العراقي المطالب بالإصلاح ومكافحة الفساد، والوضع الصعب الذي تعيشه إيران، وتحديات عالم ما بعد كورونا، وهي مؤشرات قد تخلق بيئة عراقية تمّكن له الحركة من خلالها، ولعل إصراره على إجراء الانتخابات المبكرة في يونيو القادم/حزيران، قد يشكل بداية حقيقية للإصلاح في العراق، خصوصاً إذا تمكن من توفير بيئة انتخابية صحية، بعيدة عن سطوة السلاح والتجاذبات الخارجية.

إن التأكيد على العمق العربي مهم جداً في تحركات العراق الخارجية مستقبلاً، إذا ما أراد العراق تصحيح وضعه الإقليمي على الأقل، فليس ثمة شك بأن هناك حاجة عربية لدور العراق في القضايا العربية، والعكس صحيح أيضاً، فقد شكل الغياب العربي عن العراق، فرصة مهمة لدول إقليمية أخرى كتركيا وإيران لملئ الفراغ سياسياً واقتصادياً، وعلى هذا الأساس؛ يطمح السيد الكاظمي أن يكون مشروع الشام الجديدة، بدايةً لتأسيس تشابك اقتصادي إقليمي بعيداً عن الحساسيات الطائفية التي استغلتها كل من إيران وتركيا، وسيعيد التوازن للساحة الداخلية العراقية، مع وجود شارع عراقي مطالب بالإصلاح، ومندد بالأدوار الإيرانية والتدخلات التركية التي قزمت كثيراً من مفهوم السيادة في العراق.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق