العراق.. من يروض الميليشيات؟

صراع الدولة واللا دولة

فراس إلياس

جاءت عملية الدورة التي قام بها جهاز مكافحة الإرهاب العراقي في يونيو الماضي، من خلال مداهمة مقراً لمليشيا حزب الله، أثناء التحضير لشن هجمات على مقر تتواجد فيه القوات الأمريكية في مطار بغداد الدولي، لتسلط الضوء على طبيعة العلاقات المعقدة بين رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي ومليشيا حزب الله، وهي علاقة بدأت منذ الأيام الأولى لمقتل قائد قوة القدس قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، عندما حملته مليشيا حزب الله المسؤولية عن عملية القتل هذه، عبر ما ادعته عن دور استخباري قام به السيد الكاظمي عندما كان رئيساً لجهاز المخابرات العراقي، من خلال تمريره معلومات للاستخبارات الأمريكية عن تحركات هذين الرجلين.

ميليشيات حزب الله بالعراق.. محاولات للشرعنة ومخاوف الخروج عن السيطرة

وعندما تم ترشيح السيد الكاظمي لتولي رئاسة الوزراء، عبرت الفصائل الولائية المقربة من إيران، وفي مقدمتها مليشيا حزب الله عن رفضها لعملية الترشيح هذه، واعتبرت ذلك خيانة لدماء سليماني والمهندس، وصعّدت أكثر من ذلك عبر هجمات صاروخية عديدة على القواعد التي تتواجد فيها القوات الأمريكية في العراق، إلا إنها بالنهاية وافقت عليه؛ وجاءت هذه الموافقة بعد تحول جديد أصاب السياسة الإيرانية في العراق، وفق ماعبر عنه المرشد الإيراني علي خامنئي بالمرونة البطولية، الداعية للتهدئة مع القوات الأمريكية في العراق، حتى يتضح مصير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية المقبلة، وعلى الرغم من التطمينات التي قدمها السيد الكاظمي لهذه الفصائل، بعد زيارته لمقر هيئة الحشد الشعبي في 16 يوليو الماضي، إلا إنها لازالت تنظر إليه بشك وريبة، وهو ما أوضحته مواقف العديد من قيادات هذه الفصائل بعد عملية الدورة.

جاءت عملية اغتيال الباحث العراقي هشام الهاشمي لتزيد بدورها من سقف التحدي

وفي تصعيد خطير أقدمت عليه مليشيا حزب الله حيال حكومة السيد الكاظمي، جاءت عملية اغتيال الباحث العراقي هشام الهاشمي لتزيد بدورها من سقف التحدي الذي يمثله هذا الحزب على مستقبل حكومة الكاظمي، فعلى الرغم من عدم اتضاح نتائج التحقيقات التي تقوم بها السلطات العراقية، إلا أن هناك دلائل وقرآئن عديدة تثبت تورط عناصر الحزب بهذه العملية، وأهمها التهديدات المباشرة التي وجهها المتحدث بأسم الحزب أبو علي العسكري في وقت سابق للهاشمي، إذ تأتي عملية إغتيال الهاشمي في ظل ظروف أمنية واقتصادية وصحية معقدة تعيشها حكومة الكاظمي، كما أنها تأتي في ظل توجه مليشيا حزب الله إلى ردع السيد الكاظمي ومنعه من الإقدام على تكرار حادثة الدورة، إلى جانب إعادة الحياة للنفوذ الإيراني في العراق، من خلال رفع سقف المواجهة مع السيد الكاظمي، بل وإمكانية الإنقلاب عليه في أية لحظة، في تكرار لسيناريو الحوثي في اليمن عام 2014.

إذ أظهرت حادثة الدورة مدى السطوة والنفوذ الذي يتمتع به رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، عبر دوره في دفع مليشيا حزب الله إلى الخروج من المنطقة الخضراء، بعد اقتحامها ليلة 26 يونيو كرد فعل على اعتقال عناصر الحزب، إذ لا زال السيد المالكي يمارس تأثيراً كبيراً على الأفواج الرئاسية المتواجدة في المنطقة الخضراء، والذي قام تعيينهم عندما كان رئيساً للوزراء، ولم يتجرأ أي رئيس وزراء على إخراجهم من المنطقة، أو حتى تغيير ولائهم، والأكثر من ذلك؛ يشير تواجد عناصر من مليشيا حزب الله في مقر عسكري كبير خلف بناية رئاسة الوزراء، وهو مقر يعود أصلاً لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت قد اشترته في وقت سابق من الحكومة العراقية، ويضم حوالي 2000 عنصر، بمثابة قوات تدخل سريع بإمكانها الإنقضاض على مقر السيد الكاظمي في أية لحظة، وعلى هذا الأساس؛ جاءت الخطوة الأخيرة التي قامت بها الولايات المتحدة من خلال تفعيل منظومة الدفاع الجوي C-RAM ، فوق السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، نتيجة قناعة أمريكية بعد تمكن الحكومة العراقية من حماية مقر السفارة، فيما لو قررت الفصائل القريبة من إيران، شن هجمات صاروخية مدمرة عليها.

فصائل تتبع المرجع الديني الشيعي علي السيستاني، وفصائل أخرى تتبع المرشد الأعلى علي خامنئي

إن مرحلة مابعد مقتل «المهندس» أظهرت بوضوح مدى التشتت الكبير الذي تعاني منه الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي في العراق، إذ يتم الحديث اليوم عن فصائل تتبع المرجع الديني الشيعي علي السيستاني، وفصائل أخرى تتبع المرشد الأعلى علي خامنئي، بل أصبحت هناك اليوم خلافات كبيرة بين هذه الفصائل بسبب هيمنة الفصائل التابعة لخامنئي على مجمل المفاصل الرئيسة داخل الحشد، وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها السيد الكاظمي في ردم هذا الحلاف، إلا إن هناك قراراً إيرانياً بضرورة عدم التفريط بالمزايا التي وضعها المهندس بيد الفصائل المقربة منها داخل الحشد، وأهمها الجوانب المالية والدينية والإستخبارية، وهو مادفع الفصائل التي تتبع المرجع السيستاني، إلى نقل ملاكها من هيئة الحشد الشعبي إلى وزارة الدفاع العراقية في أبريل الماضي، في توجه حقيقي لعمق الخلافات التي تعصف بهيئة الحشد الشعبي اليوم.

يبدو أن «الكاظمي» مطالب اليوم بتحقيق عدد من الإصلاحات الإدارية والقانونية، بعيداً عن اعتماد سياسة المواجهة المباشرة مع مليشيا حزب الله، وأهمها التحول من منصب القائد العام للقوات المسلحة، إلى استحداث القيادة العامة للقوات المسلحة، عبر تعيين قائد عسكري غير جدلي كممثل للحشد الشعبي في هذه القيادة، بدعم وتأييد من مرجعية النجف، التي أيدت هذه الخطوات في مناسبات سابقة، كما أنه قد يكون خطوة في طريق ضبط حركة هذه الفصائل وسلاحها، كما يتطلب من السيد الكاظمي التحول من فكرة حصر السلاح بيد الدولة، إلى ضبط هذا السلاح، وذلك عبر تجميد الوضع الحالي للحشد الشعبي إلى مرحلة مابعد الحوار الإستراتيجي مع الولايات المتحدة,

كما ينبغي على حكومة السيد الكاظمي دعم الأصوات الداعية إلى تدويل قضية إغتيال الهاشمي، كونها ستكون خطوة جيدة في تفعيل ملف إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق، كما إنه سيكون مدخلاً مهماً لفتح ملف الاغتيالات التي طالت العديد من الناشطين والسياسيين على يد هذه الفصائل، وقد يكون الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في يوم 9 يوليو، من تشخيص الأطراف التي تقف خلف عملية الإغتيال وضرورة محاسبتها، توجه مهم لمنع تكرار هذه العمليات مستقبلاً، ومصدر قوة لتفعيل ملف حقوق الإنسان وحرية التعبير في العراق، الذي تحاول هذه الفصائل القضاء عليها، خصوصاً تلك الأصوات المطالبة بضرورة إنهاء النفوذ الإيراني في العراق.

فالسيد الكاظمي يدرك جيداً أن إصلاح قطاع الأمن في العراق، والمتمثل بإعادة النظر في وضع المليشيات المسلحة في هيكل النظام السياسي في العراق، قد تشكل البداية العملية لهدم أسوار اللادولة في العراق، وهو ماتنبهت له المليشيات المسلحة، وخصوصاً تلك القريبة من إيران، بعد زيارة السيد الكاظمي الأخيرة لطهران، لما لهذه الخطوة من تداعيات سلبية على مستقبل وجودها في العراق، في ضوء الظروف الصعبة التي تعيشها إيران اليوم، سياسياً وإقتصادياً وأمنياً.

وعلى هذا الأساس؛ يمكن القول بأن مسارات الصدام بين الدولة واللادولة مرشحة للتصاعد مستقبلاً، خصوصاً مع دعوة السيد الكاظمي الأخيرة لإجراء الإنتخابات المبكرة في حزيران القادم، وهي دعوة رفضتها أغلب المليشات المسلحة، كونها تدرك حجم التحدي الكبير الذي أفرزت عنه خطوة الكاظمي الأخيرة، إلى جانب قيام أغلب المليشيات الولائية بتحشيد قواتها داخل بغداد في الأيام القليلة الماضية، مايوحى برغبة هذه الفصائل بتحدي أي توجه حكومي لكبح جماحها، في تكرار لسيناريو حادثة الدورة، وهو مايضع بدوره العديد من السيناريوهات المعقدة في طريقة تعاطي السيد الكاظمي مع أدوات اللادولة في العراق,

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق