الصحافة في تركيا بين إرهاب السلطة والحرية المفقودة

تورغوت أوغلو

وصل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا إلى السلطة من خلال تقديم عديد من الوعود للشعب أولها ضمان حرية الصحافة وتعزيز الحقوق والحريات، بالإضافة إلى ذلك وعد رئيس الحزب رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب أردوغان باتباع السياسات الليبرالية واتخاذ خطوات سريعة للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبيمؤكدا في الوقت ذاته أنه خلع ما سماه «قميص ملي جوروش» في إشارة منه إلى تخليه عن منهج شيخه نجم الدين أربكان، أبو الإسلام السياسي في تركيا.

وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر للعديد من الصحفيين والأكاديميين، إلا أنهم دعموا أردوغان لهذه الأسباب، وأنا من بينهم.

لكن المحطة الأخيرة التي وصلنا إليها، فيما يتعلق بحرية الصحافة أكثر سلبية من فترة ما قبل حزب العدالة والتنمية، سأترك القضايا الأخرى جانبا واتطرق قليلا إلى الضغوط التي تتعرضلها الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي.

تحتل تركيا الآن المرتبة 157 من بين 180 دولة، في مؤشر حرية الصحافة، وفقا لمنظمة «مراسلون بلا حدود»وفي العام 2017، كانت تركيا في المركز الثاني من حيث تسجيل أكبر عدد من الصحافيين المعتقلين، بعد الصين التي احتلت المركز الأول.

مررت حكومة حزب العدالة والتنمية، مؤخرا، قانونا مهما للسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي،وبغض النظر عما يتضمنه القانون، فإن الأكثر أهمية هو توضيح سبب اتخاذ الحكومة لمثل هذه الخطوة الآن.

القانون يخضع جميع الصحف والقنوات التليفزيونية ووسائل الإعلام التقليدية تقريبا لسيطرة الحكومة في تركيا، عدد القنوات والصحف التي لم تتمكن الحكومة من الاستيلاء عليها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، يفضل الأشخاص الذين يبحثون عن أخبار بديلة الحصول عليها عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي،وتحاول أحزاب المعارضة التي لا يمكنها إيصال صوتها للجمهور عبر التليفزيون والصحف الوصول إليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الحكومة بدورها تدرك هذا الوضع جيدا،وتظهر الاستطلاعات أن معدل مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الأخبار آخذ في الازدياد، وبحسب بيانات معهد «رويترز» في جامعة أكسفورد للعام 2018، يعرف 48% من الشعب التركي الأخبار من خلال التليفزيون، بينما يصل عدد متابعي الأخبار من الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى 39%، أما متابعو الأخبار من الصحف فوصل إلى 6%، ومن الراديو إلى 6%، وتم إجراء هذا البحث على الإنترنت ويغطي في الغالب سكان الحضر.

ووفقا لبيانات 2018 لشركة «متروبول» التركية للأبحاث، أفاد 72% من الجمهور بأن التليفزيون هو مصدر الأخبار الرئيسي، و19% قالوا إن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي هي المصدر، بينما أوضح 6% أن الصحف هي المصدر، هذا الاستطلاع، الذي تم إجراؤه بمقابلات وجها لوجه، يمثل جميع السكان،وليس من الصعب تخمين أن حصة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد ازدادت كثيرا في العامين الماضيين.

سبب تطبيق الحكومة لهذا القانون الذي سيسطر على وسائل التواصل الاجتماعي هو الانتخابات المحلية التي أجريت عام 2019، فقد حزب العدالة والتنمية الحاكم في هذه الانتخابات اسطنبول وأنقرة اللتين حكمهما لمدة 25 عاما.

واستخدم مرشحو حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي فاز برئاسة البلدية في هاتين الولايتين، وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جيد للغاية في جهودهم الانتخابية، ووصلت مشاركات أحزاب المعارضة إلى عدد أكبر بكثير من مشاركات الحزب الحاكم ، وحظيت بإعجاب وتعليقات، هذه بيانات قابلة للقياس وتتابع حكومة حزب العدالة والتنمية كل هذه التطورات عن كثب.

اتخذت حكومة أردوغان عديد من الخطوات لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لصالحها، لكن بالنظر إلى الصورة العامة يتضح أن وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت تخدم المعارضة.

وفي نهاية المطاف، أقرت الحكومة هذا القانون للسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي والتقارير عبر الإنترنت.

لم تقتنع اللجنة الوزارية المنبثقة عن مجلس أوروبا بتطبيق حزمة الإصلاحات القضائية الأولى في تركيا في إطار مفاوضات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، المجمدة فعليا، منتقدة اعتقال تركيا 121 صحافيا، والحكم بالسجن المؤبد المشدد على 9 صحافيين، والمؤبد على 4 وفرض غرامات مالية تصل إلى مليون و560 ألف ليرة تركية على 7 صحافيين.

منذ عام 2014 حيث أصبح رجب طيب أردوغان رئيسا للبلاد،تم الحكم بالسجن أو الغرامة على ما يقرب من 100 صحافي، وذلك وفقا للمادة 299 من قانون العقوبات التركي،وتمت مقاضاة نحو 20 ألف شخص بتهمة «إهانة الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي».

أطلقت وزارة العدل التركية سراح ما يقرب من 90 ألف سجين، بعد تفشي فيروس كورونا في شهر مارس/ آذارالماضي، بموجب عفو تصمنه قانون أقره البرلمان في أبريل/ نيسان،وتم إطلاق سراح المنبوذين واللصوص والقتلة والمغتصبين والأزواج الذين قتلوا زوجاتهم والمتهربين من الضرائب والمحتالين وأعضاء المافيا،لكن لم يطلق سراح الصحافيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، مثل أحمد ألطان، ممتاز إر تركونه، ضياء أطامان، مراد أغيرال، مصطفى أونال، ميسر يلدزوعثمان كافالا، خوفا من تأثيرهم على الرأي العام.

ولاشك أن أردوغان هو المسؤول عن عدم إطلاق سراح هؤلاء، وليس أي مؤسسة قانونية في البلاد.

انتقدت اللجنة الوزارية المنبثقة عن مجلس أوروبا، المحاكمات التي تكشف عن انتهاك حرية التعبير، وبخاصة تلك التي تكون موجهة للصحافيين، وذلك بذرائع مثل إهانة الرئيس وإهانة مسؤولين عموميين، وطلبمراجعة العديد من مواد القانون، بما في ذلك قانون العقوبات التركي وقانون مكافحة الإرهاب.

زملاؤنا، الذين وجهوا أدنى انتقاد للحكومة في الأخبار والمقالات، وصفوا على الفور بأنهم ينتمون إلى«منظمة إرهابية»، بدأت التحقيقات ورفعت الدعاوى القضائية الواحدة تلو الأخرى.

حكم على العديد من الصحافيين، بمن فيهم عضو المجلس الأعلى لمجلس الصحافة يازجي أوغلو ألدوغان، بالسجن بسبب لوائح اتهام وأسباب مثيرة للجدل،واعتبر نظام أردوغان الصحافة جريمة إرهابية، وحكم على عديد من الصحفيين بالسجن المؤبد المشدد، وهو ما يعادل عقوبة الإعدام التي ألغتها تركيا في وقت سابق تماشيا مع متطلبات الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وكذلك حاول نظام أردوغان شيطنة وإقصاء المؤسسات الإعلامية والصحافيين العاملين في الصحافة المستقلة والحرة، وتعرضت المؤسسات الإعلامية مثل صحيفتي “جمهورييت” و”سوزجو” وقناة ” فوكس”، ولاتزال، لضغوط كبيرة.

ومع التعديل الذي أدخل على لائحة منحالبطاقات الصحافية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تم تمهيد الطريق لإلغاء بطاقات الاعتماد للصحافيين المنتقدين للحكومة،تحت ذرائع مثل «أعمال ضد الأمن القومي والنظام العام»، بينما تم إلغاء البطاقات الصحافية لـ 1954 صحافيا في السنوات الثلاث الماضية، فليس من الصعب التكهن إلى أين ستصل هذه الأرقام في ظل القانون الجديد للسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

المسؤولون الأتراك يحاولون إخفاء الحقائق،بخاصة في تصريحاتهم التي يدلون بها لوسائل الإعلام الأجنبية، حيث يقولون إنه لا يوجد صحافيون معتقلون في السجون التركية، ولكن هذا لا ينفي كون تركيا في المركز الثاني من حيث أكبر عدد للصحافيين السجناء في العالم بعد الصين.

وهذه بعض الأرقام التي تثير الدهشة:

بحسب ما أعلنت منص «الصحافيون المعتقلون»، بلغ عدد الصحافيين الموقوفين والمحكوم عليهم في تركيا إلى 217 صحافيا،وبحسب مبادرة الصحافيين الأحرار، بلغ عدد الصحافيين المسجونين 187 صحافيا،وبحسب نقابة الصحافيين الأتراك يقبع 144 صحافيا خلف القضبا،. ووفق منظمة حماية الصحافيين، هناك 68 صحافيا مسجونون (تختلف هذه الأرقام وفقا لمعايير عدة منها هل أولئك المعتقلين يحملون بطاقة صحافية أم لا).

تركيا في المرتبة 101 بين 113 دولة، وفقا لمؤشر سيادة القانون الذي أعده مشروع العدالة العالمية، وتقع بين 49 دولة مصنفة “غير حرة” من بين 195 دولة تم فحصها في تقرير الحرية العالمية لهذا العام الصادر عن منظمة«فريدوم هاوس»،

سيطرت الحكومة قبل انتخابات 24 يونيو/ حزيران 2018، على مجموعة «دوغان« الإعلامية، التي كانت تعد من أكبر المجموعات الإعلامية في تركيا،وبعد السيطرة عليها، تحول 95% من وسائل الإعلام إلى أبواقللتصفيق للحكومة والثناء عليها.

جميع الأرقام التي ذكرتها أعلاه هي بيانات رسمية..وأخيرا لم أتمكن من الذهاب إلى بلدي منذ 5 سنوات، وهناك ثلاث دعاوى قضائية ضدي.

والأمر المثير للاهتمام هو أن المحكمة اتهمتني بدعم محاولة انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016، رغم أنني أعيش في الخارج منذ 18عاما وكنت في منزلي بالقاهرة ليلة الانقلاب المزعوم، الذي أرى أنه كان سيناريو من صنع أردوغان للتخلص من معارضيه.

نعم.. للأسف هذه آخر محطة وصل إليها بلدي الجميل.. تركيا.

 

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق