السودان بلاد الإخوان والديمقراطية المستحيلة

عطيات عبدالرحيم
Latest posts by عطيات عبدالرحيم (see all)

نشأت الحركة الإسلامية السودانية في الأربعينات وفق أغلب الروايات، وتحديدا عندما درس جمال الدين السنهورى القانون فى مصر وأصبح أخا مسلما وتردد عدة مرات على السودان فى مهمات تنظيمية لخلق نواة للجماعة بالسودان وهناك أيضا بابكر كرار، الطالب بجامعة الخرطوم، الذي أنشأ مع بعض زملائه حزب التحرير الإسلامى عام ١٩٤٩ .

أما الصادق عبد الله عبد الماجد، الذي درس القانون بجامعة القاهرة أصدر بالتعاون مع جمال السنهورى مجلة السودان الحديث لبث أفكار الإخوان بعد أن انتقلو إلى السودان عام ١٩٥٥ ولذا فإن حسن الترابى فى كتابه «الحركة الإسلامية في السودان»، فقد حدد عهد التكوين فيما بين ١٩٤٩ إلى ١٩٥٥ وقد ذكر الترابى أن الحركة الإسلامية في السودان تناولت غالبية أدبها من كتب الإخوان المسلمين فى مصر وكتابات المودودى وكذلك كانت أشكال التنظيم البسيطة السائدة هي تقريبا من التجارب التنظيمية فى مصر ولأن الإخوان المسلمين فى السودان نشأت حركتهم فى كنف الجامعة وبعض المدارس الثانوية، متأثرة ببعض وجوه الفكر الغربى وفى نفس الفترة التى شهدت فيها حركة الإخوان المسلمين فى مصر أعمال عنف ومحاولات اغتيالات هي نفسها شهدت ميلاد حركة الإخوان فى السودان مؤثرا فى قادتها وفي فكرها وفي أسلوبها وانتقال تجربة العنف بأسلوب النظام الخاصين لم تتم كاملة إلا عام ١٩٥٥، عندما قدم الضابط أبو المكارم عبدالحى بعد الصدام الذى جرى بين ثورة يوليو والإخوان إلى السودان حاملا معه أسرار الجهاز الخاص، حيث كان يتولى رئاسة هذه الوحدات فى مصر.

لجأت حركة الإخوان المسلمين فى السودان إلى اللجوء للمؤامرات لمحاربة خصومها

ولجأت حركة الإخوان المسلمين فى السودان للمؤامرات لمحاربة خصومها ففى أكتوبر ١٩٥٤ قامت بتوزيع منشورات باسم الشيوعيين تدعو فيه الناس إلى التخلى عن الدين الإسلامى ونظمت حملة فى المساجد لإهدار دم الشيوعيين فقد كان هذا الابتكار لمحاربة الخصوم السياسيين هو أول نشاط عملى لمكتب تسيير جماعة الإخوان المسلمين ولقد ظلت تعمل «لجنة التسيير»، على قيادة الحركة إلى أن تم اختيار الرشيد الطاهر بكر مراقبا عاما للجماعة ورغم هذه التغيرات لم تستطع الحركة أن تجذب إليها قلوب الناس فلم تكن صورة الأخ المسلم عند الناس غير ذلك الطالب المتعصب الملتحى، ربما هذا ولجأت حركة الإخوان المسلمين فى السودان إلى اللجوء للمؤامرات لمحاربة خصومها خاصة المراقب العام الرشيد الطاهر بكر فاتجه لترشيح نفسه فى قائمة حزب الأمة السودانى فى الانتخابات التى جرت عام ١٩٥٦ وعزا ذلك إلى أنه «تكتيك سياسي» لنقل الإخوان إلى دائرة الضوء ومراكز صناعة القرار وهذا اليأس أيضا جعله يشترك فى محاولة انقلابية ضد الفريق عبود وتم اعتقاله ونال الرشيد حكما بخمس سنوات فانتقلت قيادة الحركة إلى الصادق عبدالله عبد الماجد وقد وصف الترابى هذه الفترة من ١٩٥٩الى ١٩٦٤ بعهد الكمون الأول بقوله إن الحركة «كمن كمونا حادا حتى جمدت نفسها».

صعود الترابي

بعد ثورة ١٩٦٤ بدأ عهدا جديدا للحركة فقد لمع نجم حسن الترابي لأول مرة وتم انتخابه أمينا عاما لجماعة الإخوان المسلمين وجبهة الميثاق الإسلامي وهو لم يتجاوز عمره ٣٣ عاما وجاء الترابي إلى قيادة الحركة يحمل تصورات جديدة فى نظام التربية وأسلوب التنظيم فقد كان معجبا مأخوذا بتجربة الحزب الشيوعي السودانى فأخذ منها فعلا نظام الحشد والتعبئة ونظام تأهيل الأعضاء فكريا وتنظيميا ولم يتردد الترابى في أن تتجه الحركة إلى مصادر التجارب الغربية لتنهل من فكرها التنظيمي.

إهدار دم الشيوعيين أول نشاط عملى لمكتب تسيير جماعة الإخوان المسلمين

وفي كتابه الحركة الإسلامية فى السودان يقول إن الحركة الإسلامية فى السودان قد امتازت آخر عهدها بتنظيم أرقى، مقارنة بأخواتها في الدين لأنها انتفعت كثيرا من فكر التنظيم الأوروبي وتجاربه كما أن الحركة سادتها روح الاجتهاد والتجربة الأوروبية مفتوحة فى كل المجالات السياسية والاجتماعية والفكرية والتنظيمية، ففيها ما هو ادعى للتقدم وقد كان هاجس الإخوان المسلمين فى السودان الأساسى هو منافسة الشيوعيين بأى وسيلة حتى لو كانت المبدأ الميكيافلى (الغاية تبرر الوسيلة) وكانت ساحة جامعة الخرطوم قد هيأت لهذه المعارك، فقد دعت رابطة الفكر التقدمى لحفل مسرحى غنائى وفجأة انهالت على الراقصين الكراسى والعصى، كما أدى إلى مقتل طالب فى الحال وأثار هذا الحادث ردود فعل واسعة وسط الراى العام وبدات التساؤلات حول ما هى حدود ما يجرى فى السودان وما هى سلطة الإخوان فقد كان الحادث بداية ليحل الصراع والتقاتل بالسيخ والحديد والنار بدلا من الحوار ولأول مرة يتم التمييز بين طلاب إسلاميين وطلاب غير إسلاميين كل هذه الأحداث كانت مؤشرا على أن البلاد مقبلة على عهد فوضى وعدم استقرار مثيرة فى نفس الجيش الغريزة القديمة فى الاستيلاء على السلطة.

نميرى والترابى

بالفعل يوم ٢٥ مايو ١٩٦٩ استولى تنظيم «الضباط الأحرار»، بقيادة العقيد أركان حرب جعفر نميرى على السلطة وفى هذه الفترة دخل الإخوان مرحلة كمون أخرى، أدت إلى انفراط عقد الحركة فخرج عدد من القادة من الجماعة وخرج آخرون من السودان منهم أحمد عبد الرحمن وعلى عبد الله يعقوب والشيخ الكاروري ومهدي إبراهيم وآخرين وفى العهد الثاني برز الإخوان كقوة مؤثرة في الحياة السياسية فقد وصل الدكتور حسن عبد الله الترابى الأمين لجماعة الإخوان المسلمين إلى قمة التحالف السياسي مع الرئيس جعفر نميرى وتولى أمانة الفكر والمنهجية بالاتحاد الاشتراكى السودانى وأصبح مسؤولا عن إعداد وصياغة قوانين الدولة فهو لديه دكتوراه في القانون من السوربون وكان من الصعب أن يقبل المنطق التقاء شخصيتان مثل النميرى والترابى لاختلافهما في الفكر والثقافة والأسلوب، حتى وسط دائرة الإسلاميين كان هناك استهجان واستغراب فقد وجدوا أنفسهم في خدمة نظام ناصبوه العداء لمدة ثمان سنوات ولم يكترث الترابى بكل ذلك وظل منهمكا فى تجربة المشاركة فى السلطة ويحلم بطيف السلطة والحكم، ثم كانت مصالحة الأحزاب المعارضة مع نميرى عام ١٩٧٧، وقد أشار الترابى فى كتابه الحركة الإسلامية فى السودان إلى أنه بعد المصالحة عام ١٩٧٧ حدثت نهضة تنظيمية شاملة للإخوان المسلمين.

انشغل الإخوان بالعمل العسكري داخل المؤسسة العسكرية وسنحت لهم الفرصة بتولى الفريق عبد الرحمن سوار الذهب

كان الترابى أسبق القيادات الإسلامية فى اتجاه الوصول إلى السلطة وقد اتجه فى أربع مجالات الطلاب والاقتصاد والنشر والجيش، تحت مظلة الدعوة الإسلامية وهذه المظلة التى لعب فيها الترابى أمام نميرى عندما طلب منه فى مبادرة المصالحة فسمح لهم النميرى بحرية العمل ثم بدأت الحركة فى النسيج الاقتصادى فتم إنشاء مؤسسات وشركات مالية ضخمة، بالتعاون مع الأمير محمد الفيصل أشهرها بنك فيصل الإسلامى ومؤسسة التنمية الإسلامية وشركة التأمين الإسلامى وشركة الرواسى لتوظيف الأموال وقد لعبت هذه المؤسسات دورا بارزا فى الضغط الاقتصادى من خلال المضاربات والتخزين والاحتكار ولعبت هذه المؤسسات دورا بارزا فى استيعاب التجار فى شكل تنظيمى وتعبئتهم لأغراض الحركة وربطهم هم ورجال الأعمال عبر تبادل المصالح مع جماعة الإخوان.

الإخوان والعسكر

أما الاقتراب من الجيش فكان يتطلب حذرا وانشغل الإخوان بالعمل العسكري بالمؤسسة العسكرية وسنحت لهم الفرصة بتولى الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، منصب نائب القائد العام للجيش واتجه تنظيم الإخوان إلى بناء قوته العسكرية عبر تدريب الإسلاميين عسكريا على إقامة معسكرات عند جبل الردود داخل الأراضى الإثيوبية ومعسكرات داخل الأراضى الليبية وألحقت أعدادا من الشباب بمعسكرات تدريب في باكستان وإيران ولبنان كما عمل على التغلغل التدريجى فى القوات المسلحة السودانية فعمدوا إلى إلحاق بعض الخريجين الإخوان الملتزمين من كليات الطب والهندسة والمحاسبة للعمل بالسلاح الطبى وسلاح المهندسين والإدارة المالية والتقرب أكثر من نميري، أعلن الترابى حل تنظيم الإخوان المسلمين نهائيا وقد أحدثت هذه التصريحات دويا داخل تنظيمات الإخوان المسلمين فى الداخل والخارج وقد أصدرت مجموعة من الإخوان بقيادة الصادق عبدالله عبد الماجد والحبر يوسف نور الدائم بيانا لنفي حل التنظيم ورفض التنظيم الدولى للإخوان المسلمين الاتجاه الذي سار فيه الترابى.

تغلغل مموه

بدأ الإخوان فى تكوين تنظيم داخل الجيش فعليا عام ١٩٨١ بصورة سرية وفي منتصف ١٩٨٣ هناك حدثين شكلا بصورة مباشرة توجهات وحركة الإخوان المسلمين فى السنوات اللاحقة، الحدث الأول هو ظهور الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق والحدث الثانى هو تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية أو قوانين سبتمبر، وقد أطلق عليها الإخوان بالثورة التشريعية.

إعلان حرب

أثناء غمرة فرحة الإخوان بهذه القوانين كان الترابى قد أحكم قبضته على نميرى فأراد أن يتخلص من نائبه اللواء عمر محمد الطيب ورئيس جهاز الأمن فقام بتسريب معلومات بأن عمر محمد الطيب، بالتعاون مع أمريكا يخطط للإطاحة بنميرى وبالشريعة، بناء عليه استدعى نميرى نائبه لمواجهته بالاتهامات، فما كان من اللواء الطيب إلا أن قدم للنميرى ملفا ضخما يحوى كل شىء يعرفه جهاز الأمن عن تنظيم الإخوان المسلمين بوثائق ومعلومات حول قادة التنظيم المعروفين والسريين وحسابتهم المالية فى الداخل وفى الخارج ومليشياتهم وأسلحتهم ومخابئها وبعد دراسة متأنية أعلن النميرى الحرب على الإخوان المسلمين وفى ٩ مارس١٩٨٥ ألقى خطابا استغرق ساعة واصفا الإخوان بأنهم «إخوان الشياطين»، متهما إياهم بإعداد مؤامرة للإطاحة بالنظام وفى نفس لحظة الخطاب قامت أجهزة الأمن باعتقال حوالى مائة من القادة، على رأسهم حسن الترابي ثم كان استعداد نميري رحلته لأمريكا وأثناء ذلك نجحت الوساطات العربية والإسلامية وبالأخص وساطات رجل الأعمال السودانى فتح الرحمن البشير ووعده نميرى بإطلاق سراحهم بعد عودته، وفى ٢٦مارس بدأت انتفاضة الشعب ضد حكومة نميرى وامتدت حتى ٦ نيسان/ أبريل، عندما أعلن الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب، وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة البيان الأول بانحياز الجيش للشعب حقنا للدماء وفى ٩ نيسان/ أبريل، استقبل سوار الذهب حسن الترابى مع أنه لم يوقع على ميثاق التجمع الوطنى الديمقراطى، ليكون الترابى أول زعيم سياسي يلتقي سوار الذهب رئيس المجلس العسكري الانتقالي ومنذ هذا اللقاء تواصلت اللقاءات بين قادة الإخوان وبعض أعضاء المجلس العسكري.

المؤتمر التأسيسي للجبهة الإسلامية

في أيار/ مايو ١٩٨٥ تم عقد المؤتمر التأسيسي للجبهة الإسلامية (جناح الترابي)، وبدأت الجبهة في التركيز على الحملات الإعلامية، فأصدرت عديد من الصحف فلم تبخل فى الصرف على الإعلام كسلاح له أهميته ثم اخترقت الجبهة الإسلامية القوات المسلحة عن طريق الرابط القديم بين سوار الذهب وجماعة الإخوان، وفى نيسان/ أبريل١٩٨٦ جرت انتخابات لاختيار نواب الشعب فى الجمعية التأسيسية وكانت من نتائجها حصول حزب الأمة على ٩٩ مقعدا وفاز الصادق المهدى فى دائرة «الجزيرة أبا»، وحصل الحزب الاتحادى الديمقراطى على ٦٢ مقعدا وفاز الشريف زين العابدين الهندى الأمين العام للحزب فى دائرة الحوش وحصلت الجبهة الإسلامية على ٥١ مقعدا وكانت المفاجأة هي سقوط الترابى فى دائرة جبرة الصحافة وبذلك خسرت الجبهة الإسلامية كثيرا بفشل الترابى الدخول فى الجمعية التأسيسية وف أثناء فترة الحكم الديمقراطى بدأت شرارات عنف فى مدن السودان المختلفة.

التمكين في الأرض

كانت كل القرائن تشير إلى أن الجبهة الإسلامية هى أقدر الأحزاب على استخدام وسائل العنف ثم أطلق المؤتمر العام للجبهة الإسلامية شعار «التمكين فى الأرض» وسعى الترابى لخدمة هدفه وهو الاستيلاء كاملا على الحكم ثم كان اتفاق السلام بين الميرغنى وقرنق عام ١٩٨٨ وقد تم تأييده من الشعب السودانى صارخا، وقد سعت الجبهة الإسلامية للتخلص من خصومها السياسيين فقامت بمخطط لاغتيال بعض الزعامات السياسية وقد سربت بعض الصحف خطتها وأن التنظيم الخاص للجبهة الإسلامية بإشراف على عثمان محمد طه واللواء الفاتح عابدون سيقومون بهذه الاغتيالات ولكن أجهزة الأمن عملت بالخطة وأوقفتها.

بعد ثورة ١٩٦٤ لمع نجم حسن الترابي لأول مرة وتم انتخابه أمينا عاما لجماعة الإخوان وجبهة الميثاق الإسلامي

وفى أواخر عام ١٩٨٨ انقسم السودان إلى مؤيدين لاتفاقية السلام وآخرين معارضين لها وهذا الانقسام جعل الجميع يترقب سقوط الحكومة، وبدأت وسط الجيش علامات غضب وزادت الحكومة الطين بلة عندما قررت اتخاذ إجراءات جادة للإصلاح الاقتصادى ورفعت أسعار عديد من السلع.

في اليوم التالى للقرارات الاقتصادية انفجر الشارع و دوت طلقات رصاص من مصدر مجهول اخترقت صدر شاب اسمه طارق الشاذلى واتجهت أصابع الاتهام إلى الجبهة الإسلامية وفى شباط/ فبراير عام ١٩٨٩ كانت مذكرة الجيش حول سوء أوضاع الجيش والبلاد بتوقيع الفريق أول فتحى أحمد على القائد العام للقوات المسلحة خلقت هذه المذكرة أجواء سياسية متوترة أما الجبهة الإسلامية فقامت بتنظيم سلسلة من المظاهرات تحت شعار «ثورة المصاحف» ولكنها فشلت فى حشد حتى المصليين واختارت الحل الأسهل ألا وهو الانقلاب وقد كانت أداة الانقلاب جاهزة وهم عناصر التنظيم الخاص برعاية الترابى وتحت إدارة على عثمان محمد طه والذين تغلغلوا داخل الجيش.

فشلت «ثورة المصاحف» فى حشد حتى المصليين واختارت الحل الأسهل وهو الانقلاب بواسطة عناصر التنظيم الخاص برعاية الترابى

انقلاب الجبهة الإسلامية والبشير

وقد مهد الترابي للانقلاب بعقد مؤتمر صحفي، أعلن فيه التعبئة القصوى والجهاد وبالفعل بدأت أول الخطوات بتسجيل البيان الأول فى شريط فيديو صوت وصورة للعميد أركان حرب عمر حسن أحمد البشير المرشح ليكون «قائد الانقلاب»، وتم تسجيل البيان داخل استوديوهات منظمة الدعوة الإسلامية وهي إحدى فروع الجبهة الإسلامية، وبهذا العمل انزلقت المنظمة الخيرية إلى بؤرة العمل السياسى وقد اختارت الجبهة عمر البشير لأنه يجيد الخداع والتلون، وقد أكد ذلك البشير فى لقاء صحفى له بمجلة روزاليوسف المصرية بقوله «لا تنسى أنى ضابط مشاة ورجل عمليات وأقدر اموه واخدع»، وقد انخدع الشعب السودانى بالفعل فيه فى بداية الانقلاب على أنه ضابط وطنى ولا ينتمى لأى حزب سياسى وقد كان هاجس الجبهة الإسلامية طيلة الوقت تقدير رد الفعل المحلى والدولى إذا ظهر الانقلاب بوجهه الحقيقى لأن القبول بها كسلطة حاكمة غير وارد لا محليا ولا إقليميا ولا دوليا وفى الساعة الثانية صباح الجمعة ٣٠ حزيران/ يونيو.

هيأت ساحة جامعة الخرطوم للمعارك فقد دعت رابطة الفكر التقدمى لحفل مسرحى غنائى وفجأة انهالت على الراقصين الكراسى والعصى

بدأ تنفيذ الانقلاب وظهر العميد عمر البشير على شاشات التليفزيون ليعلن أن الجيش استولى على السلطة ومنذ ذلك اليوم راح النظام الحاكم يقدم كل يوم دليل جديدعلى أنهم ينتمون إلى الجبهة الإسلامية فحولت كل المؤسسات والأجهزة القومية إلى مؤسسات حزبية تابعة لها وتم فصل حوالى ١٨٠٠ ضابط من الخدمة العسكرية وبعدها جرت أربع محاولات انقلابية كانت أشهرها فى نيسان/ أبريل ١٩٩٠ وكادت تنجح وفى آخر لحظة فشلت بسبب تمكين الجبهة الإسلامية داخل الجيش وتم إعدام ٢٨ ضابطا وأكثر من٥٤ جنديا فى يوم ٢٨ من شهر رمضان، وقد أطلق عليهم الشعب السودانى «شهداء رمضان»، وبدأت عمليات الاعتقال والتعذيب من قبل الجهاز الأمنى وهو مؤلف من كوادر التنظيم السرى للجبهة الإسلامية ومن أبرزهم نافع على نافع، الذى تدرب فى باكستان على فنون الأمن المختلفة رغم أنه خريج كلية زراعة جامعة الخرطوم.

أمر واقع

في تلك الأثناء تحول السودان لما يشبه مركزا للتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان وبعدها كانت الدعوة لفصل الجنوب عن الشمال وأصبحت العلاقة بين ثورة الإنقاذ بقيادة البشير وبين الشعب السودانى هى علاقة الأمر الواقع، وقد أخطأ الإسلاميون وتوهمو أن السودان سيكون نقطة انطلاقة أممية تتوغل فى قلب القارة الإفريقية ولكن الغريب أن نظاما بهذه السوء استطاع أن يبقى ثلاثين عاما لأنها اعتمدت على الأجهزة الأمنية بشكل كبير بالذات على الأمن الشعبى فهو جهاز «عقائدي اخطبوطي» وهو الذي يضع القرارات العليا ويوجه رئيس الدولة بما يجب عمله وهو يراجع ولا يُرَاجع فى قراراته وكانت سياسة التمكين هي أساس بقائها كل هذه المدة فقاموا باحلال كوادرهم فى الخدمة المدنية وفى الاقتصاد واستولوا على كل شىء وقاموا بإذلال الشعب السودانى والحط من كرامته وربما استمرار نظام الإنقاذ كان لضعف المعارضة ووجودهم بالخارج وعدم فاعليتها لكن الشعب السودانى يظل قادرا على خذل كل التكهنات لأن الثورة كامنة فيه وانتظرت لحظة انفجارها وقد كان عندما فجرت ثورته العارمة فى كانون أول/ ديسمبر ٢٠١٨ لتبدأ صفحة جديدة للسودان.

المصادر 

• كتاب الإخوان والعسكر .. حيدر طه
• كتاب بيت العنكبوت .. فتحى الضو
• كتاب الديمقراطية المستحيلة .. عبد العزيز حسين الصاوي

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق