الذئاب المنفردة: الإرهاب الجديد للفاعلين اليمينيين الأفراد

مؤلِّف هذا الكتاب المهم هو الدكتور فلوريان هارتلب؛ مدير شركة “هانس للاستشارات” في مدينة تالين (إستونيا)، ومحاضر في الجامعة الكاثوليكية في أيشتات إنجولشتات وكلية الشرطة في ساكسونيا-أنهالت (ألمانيا). تركِّز اهتماماته البحثية بشكلٍ رئيس على التطرف السياسي والشعبوية، مع التركيز بشكل خاص على الشعبوية اليمينية المعاصرة.

 

عُيّن محققًا رسميًّا لمدينة ميونيخ في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي وقع في 22 يوليو 2016، والذي أودَى بحياة تسعة أشخاص، بالإضافة إلى الجاني ديفيد علي سنبلي. ويستند كتاب «الذئاب المنفردة: الإرهاب الجديد للفاعلين اليمينيين الأفراد» إلى حد كبير إلى المعرفة المكتسبة أثناء التحقيق في تلك الحادثة.

 

في 22 يوليو 2016، وعلى مقربة من مركز أولمبيا للتسوق في حي موساش في ميونيخ، أطلق سنبلي؛ ألماني من أصل إيراني، البالغ من العمر 18 عامًا، النار على بعض المراهقين في مطعم ماكدونالدز قبل أن يطلق النار على المارة في الشارع، وفي المركز التجاري. وقتل تسعة أشخاص وجرح 36 آخرون. بعد الاختباء لمدة ساعتين تقريبًا، أطلق سنبلي النار على نفسه قبل أن تتمكن الشرطةُ من إلقاء القبض عليه.

 

كان لدى سنبلي آراء قوية معادية للأجانب، ونشرت مجلة “دير شبيجل” روايات نقلًا عن رفاقه الذين شاركوه اللعب على ألعاب الإنترنت الذين تحدثوا عن رسائل الجاني المعادية لتركيا وإعجابه بحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني1.

 

الإلهام المتبادل بين المهاجمين الأفراد

 

وفقًا للمؤلف، يسعى الكتاب إلى تقديم تحليل معمق للهجمات المنفردة اليمينية المتطرفة، مع إيلاء اهتمام خاص لعملية الإلهام المتبادل بين مختلف الإرهابيين. واستند هارتلب في بحثه إلى مصادر أولية، منها ما يقرب من 4,000 صفحة من ملفات المحققين، ما أسهم في توفير تحليل مبني على تجربة حقيقية للغاية جدير بالقراءة.

 

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول. يتناول الفصل الأول إرهاب اليمين المتطرف والاستخفاف المستمر بهذا التهديد في جميع أنحاء العالم. الفصل الثاني يدقق في المفهوم المعقد لـ “الذئاب المنفردة” ومعانيه المختلفة، في حين يغوص الفصل الثالث في عالم الأيديولوجيا والدوافع والأهداف من خلال دراسات حالة متعددة ذات صلة، تتراوح بين تلك التي تشمل فرانك ستيفن، وتوماس ماير، ولوكا تريني، إلى مهاجمين مثل ديفيد كوبلاند، وبيكو أوفينن، وأنطون بيترسون، فضلا عن سنبلي المذكور أعلاه.

 

الفصل الرابع؛ يتناول الاتجاهات غير المدروسة المتعلقة بتدويل اليمين المتطرف، ويسلِّط الضوءَ بشكل خاص على خطابات اليمين البديل القائمة على نظريات المؤامرة والهويات المختلفة. أما الفصل الأخير فموجَّهٌ نحو السياسات الواجبة، ويقدِّم عددًا من التوصيات بشأن منع وتقييم التهديد الذي يشكِّله اليمين البديل، سواء على الإنترنت أو خارجه.

 

مخاطر نزع الطابع السياسي عن المهاجمين

 

يتعلق أحد الأفكار الرئيسة التي قدَّمها هارتلب إلى ضرورة إعادة النظر في الاتجاه المستمر الذي يعتبر أعمال العنف اليمينية المتطرفة، وكراهية الأجانب، مجرد أفعال عاطفية ومليئة بالكراهية، في حين لا يولي اهتمامًا يذكر للتفاصيل العملياتية، التخطيط والتنظيم. ويحذِّر المؤلف من أن هذا النهج المضلل يستند إلى ما يسميه نزع الطابع السياسي وإضفاء الطابع المرضي على تصنيف المهاجمين، وهي مشكلة ظهرت في جوانب أخرى من مجال مكافحة التطرف. ويقدِّم أمثلة متعددة على هذه المغالطة المستمرة، ويبرز الدوافع الأيديولوجية المتطورة للغاية للمهاجمين.

 

يثري الكتاب النقاش المعقد حول تصنيف الذئاب المنفردة، التي ثبت أنه مثير للجدل بشكل ملحوظ في نطاقه واختلافاته. وفي هذا الصدد، يتبنى هارتلب نهجًا دقيقًا ولكنه واضح، مع تسليط الضوء على أن تصنيف “الفاعل الفرد” (أو الذئب المنفرد) يشير فقط إلى التخطيط للحدث الإرهابي الفعلي. ولا ينفي أن الأفعال قد تكون نتيجة للتواصل والتفاعل مع المواقف أو الجماعات المتشابهة.

 

باختصارٍ، فإن المؤلف لا يرفض في الواقع المساهمات التي قدَّمها مؤخرًا في إطار النقاش الذي أجراه باحثون مثل شورمان وآخرين في “نهاية الذئب المنفرد: التصنيف الذي كان ينبغي ألا يكون”2.

 

الذئب المنفرد: تصنيف معيب

 

ترى الورقةُ أنه تنبغي إعادة النظر في تصنيف “الذئب المنفرد” بشكلٍ جذري لسببين رئيسيين: الأول، أن الروابط مع الأوساط المتطرفة عبر الإنترنت وخارجها أمرٌ بالغ الأهمية لتبني الفاعلين المفردين الدافعَ والقدرةَ على ارتكاب أعمال الإرهاب والحفاظ عليها. ثانيًا، من حيث السلوكيات التي تسبق شنّ الهجمات، فإن غالبية الفاعلين المنفردين لا يكونون دائمًا هم أولئك الإرهابيين القادرين والمكتفين ذاتيًا والبارزين، الذين يلمح إليهم لقب “الذئب المنفرد”.

 

في الفصلِ الأخير، يقدم هارتلب عددًا من التوصيات المثيرة للاهتمام على المدى الطويل للتعامل مع الإرهابيين من اليمين البديل. وتُثار نقطة مفيدة بشكل خاص عند تناول مفهوم “وحشنة” الخطاب المفتوح، الذي هو، وفقًا للمؤلف، سمة من سمات عصرنا، وله عواقب وخيمة في إضفاء الشرعية على العنف.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق