البدائل المتاحة لتحقيق الوحدة الفلسطينية

دكتور أيمن ابراهيم الرقب
Latest posts by دكتور أيمن ابراهيم الرقب (see all)

لقد توقفنا في بحثنا السابق عند خيارات تحقيق وحدة فلسطينية حقيقية، بدلًا من الحالة العبثية منذ سنوات، وقد يكون جزءًا من هذه الخيارات مؤقتا حتى الوصول لوحدة كاملة مثل الفيدرالية أو الكونفيدرالية، باعتبارها بدائل مؤقتة قد تتيح نوعًا من الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، في حال الفشل في تحقيق مصالحة حقيقية، بنظام سياسي وإداري وأمني واحد.

ونستعرض البدائل المختلفة -لو تم تنفيذ أي منها لتجاوزنا حالة التيه الفلسطيني الحالية- وقد رتبتها حسب الخيار الأفضل أولًا وهكذا.

الخيار الأول:

وهو العودة لاتفاق القاهرة مارس/ آزار 2005م والذي شاركت به كل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بجانب حركتي حماس والجهاد الاسلامي ونصّ على:

1-  أكد المجتمعون على التمسك بالثوابت الفلسطينية دون أي تفريط، وحق الشعب الفلسطيني في المقاومة من أجل إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وضمان حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم.

2-  وافق المجتمعون على برنامج لعام 2005 يرتكز على الالتزام باستمرار المناخ الحالي للتهدئة مقابل التزام إسرائيلي متبادل بوقف كافة أشكال العدوان على أرضنا وشعبنا الفلسطيني أينما وجد، وكذلك الإفراج عن جميع الأسرى والمُعتقلين.

3-  أكد المجتمعون أن استمرار الاستيطان وبناء الجدار وتهويد القدس الشرقية هي عوامل تفجير للوضع الراهن.

4-  بحث المجتمعون الوضع الفلسطيني الداخلي واتفقوا على ضرورة استكمال الإصلاحات الشاملة في كافة المجالات، ودعم العملية الديمقراطية بجوانبها المختلفة، وعقد الانتخابات المحلية والتشريعية في توقيتاتها المحددة وفقًا لقانون انتخابي يتم التوافق عليه.

ويوصي المؤتمر المجلس التشريعي باتخاذ الإجراءات لتعديل قانون الانتخابات التشريعية، باعتماد المناصفة في النظام المختلط، كما يوصي بتعديل قانون الانتخابات للمجالس المحلية باعتماد التمثيل النسبي.

5-  وافق المجتمعون على تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التوافق عليها، بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية بصفة المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ومن أجل ذلك تم التوافق على تشكيل لجنة تتولى تحديد هذه الأسس وتتشكل اللجنة من رئيس المجلس الوطني وأعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة والأمناء العامين لجميع الفصائل، وشخصيات وطنية مستقلة، ويدعو رئيس اللجنة التنفيذية إلى هذه الاجتماعات.

6-  أجمع المشاركون على أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة للتعامل بين كافة القوى دعمًا للوحدة الوطنية ووحدة الصف الفلسطيني وعلى تحريم الاحتكام للسلاح في الخلافات الداخلية واحترام حقوق المواطن الفلسطيني وعدم المساس بها، وأن استكمال الحوار خلال المرحلة المقبلة يعد ضرورة أساسية نحو جمع الكلمة وصيانة الحقوق الفلسطينية، مثل البند الخامس في الاتفاق، الذي يعد فرصة تاريخية لترتيب البيت الفلسطيني واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية بيت كل الشعب الفلسطيني، ولازلتُ أتوقع أن هذا الاتفاق هو أفضل فرصة لتحقيق وحدة فلسطينية، مبنية على أسس ديموقراطية وقد أكدت الفصائل اعتبار هذا الاتفاق هو الخيار الأمثل في اجتماعات بيروت يناير/ كانون الثاني 2017 م.

7- ترتيب منظمة التحرير الفلسطينية بشكل يضمن مشاركة كل أطياف الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وإعادة الهيبة للمنظمة، واعتبار السلطة أو الحكومة الفلسطينية إحدى مؤسساتها، على أن تدير قيادة المنظمة عملها من الخارج.

هذا البديل سيجعل الخلاف على السلطة ومؤسساتها لا قيمة له ويعطي منظمة التحرير هامشًا كبيرًا لتحديد استراتيجية فلسطينية واحدة للكثير من القضايا بشكل ديمقراطي.

الخيار الثاني:

إقامة اتحاد كونفيدرالي يستند إلى إقامة كيانين منفصلين، واحدٌ في قطاع غزة وآخر في الضفة الغربية، لكنهما يرتبطان بعلاقات اقتصادية مشتركة وتوحيد المواقف السياسية الخارجية ضمن وزارة موحدة أمام المجتمع الدولي.

يتيح هذا البديل إمكانية بناء نُظم مؤسساتية منفصلة ومنح شرعية لها، من خلال إمكانية إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في كلا الكيانين  دون الخضوع لشروط من كل طرف، كالتخوفات المتعلقة بعدم نزاهتها، على سبيل المثال.

ويتيح لكل دولة اختيار شكل النظام السياسي وحدوده، كما يمكن لكل كيان اختيار النظام الاقتصادي بما يتناسب مع إمكانياته الاقتصادية.

والمعيب في هذا البديل أنه يزيد من مخاطر الانفصال السياسي بين الضفة والقطاع، ويثير تخوف عدم إمكانية العودة للوحدة الكاملة، كما أن مخاطر استغلال إسرائيل وتسويقها أمام العالم أن الدولة الفلسطينية قائمة في قطاع غزة، وتدعيم استفرادها بالضفة الغربية وتنفيذ أطماعها بالضم والسيطرة على الضفة الغربية تبقى قائمة، وكذلك تزداد في هذا البديل مخاطر عدم قيام نظام ديمقراطي في الكيانين نتيجة لغياب أية انتخابات عامة منذ أربعة عشر عاما.

الخيار الثالث:

هو تبني النظام الفيدرالي، ويتمثل هذا البديل بوجود لا مركزية سياسية وإدارية؛ بحيث يتولى كل كيان انتهاج سياسات اقتصادية ونظام ضرائبي وموازنات مختلفة، كما أن النظام القانوني والتعليمي قد يكونان مختلفين، وتوجد فيه سيطرة تامة للسلطات الإقليمية على قوى الأمن، كما أن السلطات الإقليمية تستمد صلاحياتها السياسية والإدارية بقرار دستوري سياسي، فيما تتولى الحكومة المركزية شؤون العلاقات الخارجية وتوقيع الاتفاقيات والدفاع.

يُبقي هذا البديل على الوحدة المركزية للفلسطينيين في دولة واحدة مع الأخذ بالاعتبار الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل كيان على حدة، ويتيح إمكانية قيام نظام ديمقراطي في كل كيان وعلى المستوى الوطني باعتباره مرحلة انتقالية للعودة التدريجية للوحدة الكاملة للكيانين، خاصة إذا ما تم إجراء توحيد للمنظومة القانونية والمؤسساتية فيها.

يبقي هذا البديل إمكانية الانفصال قائما في ظل وجود منظومتين قانونيتين مختلفتين يتمسك كل كيان بصوابية نظامه؛ وقد يعود ذلك لتعود المراكز القانونية فيها عليها وعدم الرغبة في تغييرها كما هي الحال الآن، كما يستمر وجود منظومتين للمؤسسات القائمة فيهما تتنافسان على المصالح والنفوذ والصلاحيات للأشخاص والتنظيمات الحاكمة فيهما.

الخيار الرابع:

هو اعتماد الوحدة اللا مركزية، وتتمثل هذه اللا مركزية في وجود سلطة سياسية مركزية، ولكن مع لا مركزية إدارية، على أن يقتضي هذا الاقتراح وجود سلطتين إقليميتين إداريتين في الضفة الغربية وقطاع غزة (يتم إنشائهما بقرار إداري من السلطة المركزية ويمكن توسيع أو تقليص صلاحياتهما)، تتوليان تنسيق خطط وجهود السلطات المحلية في كل إقليم، حيث إن كل إقليم يتمتع بدرجة من التجانس الاقتصادي والإداري الداخلي يمكن معها اعتباره وحدة مستقلة قادرة على بلورة خططها التنموية المنفردة في ظل السياسات الاقتصادية العامة التي تضعها السلطة المركزية.

تتولى السلطة المركزية، في هذا النظام، اتخاذ القرارات الرئيسية وتبني سياسات اقتصادية واحدة فيما تتولى السلطات الإقليمية والمحلية تبني نظام ضريبي محلي ووجود موازنات محلية مستقلة ومختلفة، ووجود عناصر مشتركة في النظام القانوني والتعليمي على مستوى الدولة وأخرى محلية، وتتشارك كل من السلطات المركزية والإقليمية والمحلية في السيطرة على قوى الأمن وفق قواعد محددة مما يخفف من قبضة السلطة المركزية على الأجهزة الأمنية ويساهم في تعزيز مهنيتها.

إن إحدى مزايا هذا البديل المؤقت، أنه يُبقي على الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو الأقرب للوحدة الاندماجية الكاملة، ويراعي الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل إقليم على حدة، ويتيح إمكانية قيام نظام ديمقراطي على المستوى الوطني وعلى المستوى المحلي ويعزز التنمية المحلية على أساس اللا مركزية الإدارية في البلاد، لكن يبقي التخوف من بقاء الهيمنة الحزبية القائمة في القطاع والضفة على المؤسسة المحلية من جهة والسيطرة على قوى الأمن فيهما وامتداد ثقافتهما الانفصالية في المؤسسات المستحدثة.

*الخلاصة:

مما لا شك فيه أن الخروج من الأزمة الحالية، بهدف استعادة الوحدة وإنهاء الانقسام، يقتضي النظر بعقل مفتوح وبعين فاحصة لطبيعة العلاقة بين الضفة والقطاع، في ضوء تجارب متعددة، بدلا من الإبقاء على الانقسام المفضي إلى الانفصال حتما مع مرور الوقت، كما يتطلب تقديم حل يخلق توازنا بين مصلحة الحفاظ على النظام السياسي وصون الثقافات وحماية الخصوصية للسكان والظروف الخاصة للمنطقة الجغرافية وأدوات ربط ناجعة بينهما.

إن الخيار الأول هو أفضل الخيارات لتجاوز كل الخلافات وهذا يعتمد على تخلص الفصائل الفلسطينية من التبعية الاقليمية والاستقلال بقرارها من أجل المصلحة الفلسطينية العليا، وهذا الخيار يضمن حقوق الفلسطينيين في الداخل والخارج، بعكس الخيارت الثلاث الأخرى التي تتطرق لإدارة أوضاع الفلسطينيين في الداخل دون الخارج، الذي سيكون مصيرهم معلقًا في هذه الحالة.

أما الخيار الرابع المتمثل بالوحدة اللا مركزية التي تتمثل بوجود سلطة سياسية مركزية ولا مركزية إدارية، فهو الأكثر قدرة على خلق هذا التوازن في ظل الظروف الراهنة، حيث إنه يوفر آليات وأدوات الانصهار الوطني، ويعزز الوحدة السياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويراعي الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل كيان على حدة، كما يتيح تبني التنمية المحلية على أساس اللا مركزية الإدارية في البلاد، ويمنح إمكانية إجراء الانتخابات العامة لتعزيز مشروعية النظام السياسي ويمنحه شرعية ديموقراطية، يحد هذا الخيار من مخاطر الانفصال مستقبلا، كما هو الحال في الخيارين الثاني والثالث، وهو ينسجم مع موقف الأغلبية في الرأي العام الفلسطيني الرافضة بشكل واسع (60% من الجمهور) لإمكانية قيام أشكال أخرى من العلاقة بين جناحي الكيان الفلسطيني كالكونفيدرالية مثلا، كما يساعد هذا الخيار على إنهاء معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، كما يخفف من حصارهم وتجاهل السلطة لاحتياجاتهم، ويوحد الجهود في عملية المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي ويحد من المخاطر الناجمة عن السياسات الإسرائيلية الاستعمارية، ويقوي الموقف السياسي الرسمي في المحافل الدولية، بالإضافة إلى أنه يمّكن من تجاوز العقبات القائمة للوصول إلى الوحدة الكاملة المرغوبة من قبل أغلبية الشعب الفلسطيني في الداخل.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق