اتفاق أوسلو يولد من جديد

الواقع الفلسطيني الراهن وصل إلى طريق مسدود

دكتور أيمن ابراهيم الرقب
Latest posts by دكتور أيمن ابراهيم الرقب (see all)

بعد مرور سبعة وعشرين عاماً على توقيع اتفاق أوسلو في 13 من أيلول/ سبتمبر 1993 أصبح الغموض واليأس يكتنف الحالة السياسية الفلسطينية الرسمية، سواء من حيث التحولات التي طرأت على النظام السياسي ومكوناته ووظائفه، أو من حيث طبيعة العلاقة التي تربط الفلسطينيين والإسرائيليين، خصوصاً بعد وصول المفاوضات الرسمية لطريق مسدود وانتقال راعي التسوية – الولايات المتحدة الأمريكية – من دور الوسيط إلى الشريك للإسرائيليين وانقلابه على «حل الدولتين» من خلال طرح الرئيس ترامب صفقة القرن، ثم إعلان القيادة الفلسطينية بأنها في حل من الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل.

الواقع الفلسطيني الراهن والذي وصل إلى طريق مسدود إن لم يكن الفشل سواء بالنسبة لمشروع السلام الفلسطيني أو مشروع المقاومة، يرجع في جزء كبير منه لاتفاقات أوسلو التي عجز الفلسطينيين عن استغلالها وتوظيفها بشكل جيد في حين استطاع الاحتلال الإسرائيلي توظيفها لفرض وقائع على الأرض لا تتطابق مع نصوصها التي وافق عليها الجانبين.

لم يكن ولوج منظمة التحرير لعملية التسوية خياراً مريحاً أو تتويجا لانتصارات حاسمة، دون تجاهل دور انتفاضة 1978

هذا الواقع يقودنا لتساؤلات عديدة في مقدمتها: هل ما زالت العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين محكومة بهذا الاتفاق؟ أم أن الاحتلال فرض واقعاً على الأرض يتجاوز كل الاتفاقات الموقعة؟، وهل الخلل كان في تسوية أوسلو؟، وما هي البدائل المتاحة أمام الفلسطينيين للخروج من تبعات أوسلو؟.

وما سبب التردد الرسمي الفلسطيني في اتخاذ خطوات عملية جريئة إما باتجاه الانتقال فعلياً نحو الدولة ووضع حد لاتفاقية أوسلو وملحقاتها وما أفرزت من وقائع ميدانية، أو العودة لمرحلة التحرر الوطني وتحمل كل تبعات ذلك؟.

مقاربة التساؤلات أعلاه تتطلب بداية قراءة موضوعية للموقف الرسمي الفلسطيني من عملية التسوية ويجب التفريق بين مرحلتين ما قبل توقيع اتفاق أوسلو وما بعده  فلم يكن ولوج منظمة التحرير لعملية التسوية خياراً مريحاً أو تتويجا لانتصارات حاسمة، دون تجاهل دور الانتفاضة 1978 في استنهاض الحالة الوطنية ولفت أنظار العالم إلى ما يجري في فلسطين، بل كان ممراً إجبارياً أو محاولة لوقف الانهيار والتراجع الذي أصاب القضية الفلسطينية بسبب الاختلال في النظامين العربي والدولي مما أثر سلبا على القضية الفلسطينية ومن ضمنها حرب الخليج الثانية ١٩٩١م  وانهيار الاتحاد السوفيتي.

أيضا محاصرة الثورة الفلسطينية بعد حرب الخليج الثانية بسبب اتهام الرئيس أبو عمار بدعم الموقف العراقي، كان حصاراً مالياً وسياسياً شديداً.

وكذلك ظهور حركة حماس من خارج عباءة منظمة التحرير الفلسطينية وبداية تعامل دول وحركات عربية وإسلامية معها دون الرجوع لمنظمة التحرير، وإضافة لتغلغل فكر التسوية عند غالبية الدول العربية ورغبتها في ايجاد تسوية سياسية للصراع  مع إسرائيل وخصوصا بعد حرب الخليج الثانية وتداعياتها، وهنا نلاحظ أن مؤتمر مدريد للسلام 1991 سبق توقيع اتفاقية أوسلو، ولو لم يكن مؤتمر مدريد ما كانت اتفاقية أوسلو.

كل ذلك أضعف من قوة الثورة الفلسطينية، وبقي الفلسطينيون وحيدين في الميدان، الأمر الذي كشف الهوة الواسعة بين أهداف المشروع الوطني الأول والممكنات الفلسطينية، وكان مطلوب تدفيع الثورة الفلسطينية الثمن على سياسات وممارسات لم تكن خاطئة تماما بقدر ما كانت محصلة لتحالفات وتوازنات تلك المرحلة.

وقد حاولت القيادة الفلسطينية التكيف مع هذه الاختلالات مع الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني من خلال نهج الواقعية السياسية وإعادة النظر في أهداف النضال الفلسطيني وطرق تحقيقها فكان الدخول في المفاوضات السرية بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي هو نتاج كل هذه المتغيرات.

وبعد توقيع اتفاقية أوسلو سادت حالة من الإرباك وعدم الوضوح في كيفية التصرف والتعامل مع الواقع الجديد في ظل وجود سلطة فلسطينية وما عليها من استحقاقات بمقتضى الاتفاقات الموقعة، كانت أهم مظاهر هذا الإرباك انقسام الساحة الفلسطينية انقساماً حاداً ما بين من يؤيد عملية التسوية ويراهن عليها كفرصة ومنعطف مصيري يمكن المراهنة عليها للوصول للدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا الطرف الفلسطيني تعامل مع اتفاقات الحكم الذاتي المؤقت أو ترتيبات المرحلة الانتقالية وكأنها اتفاقات سلام، الأمر الذي دفع بكثير من الفلسطينيين والعرب إلى التعامل مع إسرائيل وكأنها شريك سلام والتعامل مع الصراع برمته وكأنه حُسم وأصبح من مخلفات الماضي.

في المقابل رفض آخرون مثل الجبهة الشعبية وحركة حماس والجهاد الإسلامي وقوى أخرى وشخصيات من داخل منظمة التحرير وخارجها هذه المراهنة واعتبروا الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وقيام السلطة الفلسطينية خروجاً عن الثوابت الوطنية ونهجا استسلامياً.

بالإضافة إلى التحديات التي واجهت السلطة من معارضيها ظهرت أشكال من الفساد وسوء الإدارة في السلطة فاقمت من مشاكلها.

بشكل عام يمكن الإشارة إلى أوجه الخلل في التعامل الفلسطيني الرسمي مع عملية التسوية منذ بداياتها وكذلك التداعيات السلبية لاتفاقية أوسلو وتطبيقاتها، وهي تتراوح ما بين الأخطاء الاستراتيجية والخلل في الإدارة، وعدم وضوح الرؤية.

فرغم الظروف الحالية الصعبة فهل فشلت تسوية أوسلو بالفعل؟

بالرغم من كل التصريحات الفلسطينية والإسرائيلية التي تُعلن نهاية مشروع التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلا أن الوقائع على الأرض التي أوجدتها الاتفاقات الموقعة (بناء جدار الفصل، استمرار الاستيطان، تغيير الوضع القائم في القدس والمسجد الأقصى، التنسيق الأمني، التداخل الاقتصادي، الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة والمحاولات الجارية لتكريس الهدنة في قطاع غزة)، بالإضافة إلى الجدل الدائر في الأوساط الفلسطينية عما إن كان من المصلحة الوطنية إنهاء السلطة الفلسطينية أم الحفاظ عليها لأنها أوجدت مكتسبات يجب الحفاظ عليها، كل ذلك يجعل الحديث عن فشل اتفاقات التسوية أو تجاهل تداعياتها أمراً صعباً، كم يتباين مفهوم الفشل والنجاح عند كل طرف من طرفي التسوية.

إن أي حديث عن الفشل والنجاح يبقى نسبيا نظراً للأسباب المُشار إليها وعدم وجود مشاريع تسوية سياسية بديلة، ولأن القول بفشل التسوية قد يكون صحيحا بالنسبة للفلسطينيين لكنه ليس كذلك بالنسبة للطرف الثاني الذي لم يكن راغباً بالفعل في إنجاز تسوية تؤسس لسلام عادل يلبي الحقوق الوطنية الفلسطينية – دولة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية مع إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين ـ وعليه فإن الفشل من وجهة نظر الفلسطينيين يعني عدم تحقق هذا الهدف، مع أن هذا الهدف لم يتم ذكره في أية من الاتفاقات الموقعة ولم يلتزم الطرف الثاني بأي يوم من الأيام.

 واشنطن وتل أبيب أخذتا في الحسبان أن الفلسطينيين سيكتشفون حقيقة ما يحاك لقضيتهم تحت شعار التسوية

سواء اسميناه فشلاً أم تعثراً أم إدارة مغايرة للصراع، فإن تحديات كبيرة تواجه الخروج نهائياً من التزامات أوسلو أو عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل انطلاق مسلسل التسوية، لأن واشنطن وتل أبيب أخذتا في الحسبان بداية أن الفلسطينيين سيكتشفون حقيقة ما يحاك لقضيتهم الوطنية تحت شعار التسوية وبالتالي قد يرتدون عنها، وعليه خلقت واشنطن وإسرائيل وقائع ومناخاً سياسياً لقطع طريق العودة.

الوقائع التي تفرضها دولة الاحتلال على الأرض كالاستيطان المتعاظم والمستمر وبناء الجدار وتهويد القدس والطرق الالتفافية والحواجز، جعل عودة الأمور إلى ما كانت عليه أمراً مستحيلاً حتى وإن أعلن الفلسطينيون فشل عملية التسوية وتخليهم عن الالتزام بالاتفاقات الموقعة بشأنها.

كما لعب الانقسام الحاد وغير المسبوق في الصف الفلسطيني نتيجة انقلاب حركة حماس في حزيران/ يونيو 2007 وتعززه تدخلات خارجية، مما ألغى استقلالية القرار الوطني وجعل المشروع الوطني واستقلالية القرار الوطني مجرد شعارات.

ونتيجة للمتغيرات المهمة حديثا مثل الإعلان عن صفقة القرن 28 كانون ثان/ يناير 2020 م وكذلك إعلان نتنياهو عن نيته بضم مناطق من الضفة الغربية لإسرائيل.

 القيادة الفلسطينية فوتت فرصة الخروج مبكرا من اتفاقية أوسلو وسحب اعترافها بإسرائيل حتى بعد قرار القيادة الفلسطينية

كان على القيادة الفلسطينية أن تحسم أمرها وتعلن رسمياً الخروج من اتفاقية أوسلو وسحب اعترافها بإسرائيل، حتى بعد قرار القيادة الفلسطينية بأنها في حل من الاتفاقات الموقعة، إلا أن واقع الحال يدرك أن ما حدث هو تحايل على الحالة وإعادة ترتيب أوراق أوسلو بشكل جديد فرئيس السلطة الحالي محمود عباس والذي يعتبر مهندس أوسلو إذا أعلن عن فشل أوسلو بشكل مطلق فهذا يعني فشله شخصية إضافة لامتيازات الموقع الذي يتقلده كرئيس للسلطة الفلسطينية حتى لو كانت بلا قيمة سياسية ولا سلطة على الأرض إلا أنها تعطي امتيازات شخصية له وللمقربين منه تجعل الخلاص منها مستحيل وبالتالي الخلاص من أوسلو شبه مستحيل في عهد رئيس السلطة محمود عباس والذي يناور حاليا في ملف المصالحة الفلسطينية والانتخابات وتجديد الشرعيات التي يرى كثيرون أنها بعيدة عن التحقيق.

خلاصة

سعى أبو مازن لتدخل وسطاء لاقناع إسرائيل بوقف الضم مقابل العودة لطاولة المفاوضات بدون شروط مسبقة من الطرفين وعقد مؤتمر دولي للسلام يعلن عن انطلاق عودة المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ورغم إعلان الإمارات والبحرين أن جزء من تطبيعها مع إسرائيل كان هدفه وقف الضم الإسرائيلي لأراضي الضفة الفلسطينية إلا أن هذا لم يروق للرئيس أبو مازن وذلك لاعتبارات شخصية أقلها أن ألد خصومه السياسيين النائب محمد دحلان يقيم في دولة الإمارات.

 أبو مازن لم يؤيد «التطبيع الإماراتي» حتى لو هدف لوقف قرارت ضم الأراضي بسبب إقامة دحلان في أبو ظبي

يسعى رئيس السلطة الفلسطينية لإقناع الجميع بضرورة إنقاذ مشروع التسوية من خلال عقد مؤتمر دولي للسلام يستند للقرارات الدولية وليس على أساس صفقة ترامب وهذا ما يتبناه في كل مناسبة أو لقاء واعتقد أن الجميع سيقتنع بأن هذا الحل هو ما يضمن ماء الوجه من جديد ويعيد ضخ دماء في اتفاقية أوسلو ومنتجاتها، وقد يولد أوسلو جديد وبمشاركة كل الفصائل الفلسطينية وهذا ما يسعى إليه رئيس السلطة وذلك بتوريط الجميع في نهج التسوية وإثبات أنه كان ولا زال على صواب.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق