أنطوني بلينكن ومهمة حل الملفات المشفرة مع إيران

فراس إلياس

مثلت عملية اختيار أنطوني بلينكن كوزير للخارجية في إدارة جو بايدن المقبلة، رؤية واضحة من بايدن حول طبيعة الدور الذي من المتوقع أن يقوم به بلينكن خلال المرحلة القبلة، إذ يعد بلينكن أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الأمريكية خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، عندما كان يعمل كنائب لوزير الخارجية جون كيري، كما أنه كان أحد أبرز المفاوضين الأمريكيين الذي رسموا الأطر العامة للاتفاق النووي مع إيران، ولذلك فإن عملية اختياره ليست عابرة، وإنما نتيجة للدور المهم الذي لعبه في إدارة وتخطيط السياسة الخارجية الأمريكية في المرحلة السابقة، ولذلك فإنه سيكون على معرفة واضحة بتفاصيل الاتفاق النووي، عندما تقرر إدارة بايدن التفاوض مع إيران من جديد حول ذات الاتفاق.

بلينكن بطبعه لا ينفر من الحلول العسكرية وسبق وأيد الغزو الأمريكي للعراق ودعم تدخل بلاده في ليبيا وسوريا والتدخل السعودي في اليمن

 يعد بلينكن من أبرز معتنقي المدرسة المثالية، التي تولي العمل ضمن المنظومة الدولية التشاركية، وإبراز قيمة التحالفات الدولية، أولوية في العمل الخارجي، وعلى هذا الأساس فإنه من المتوقع أن يعيد ترتيب مسارات العلاقة مع الأوروبيين حول إيران، خصوصاً في إطار تشكيل جبهة موحدة لفرض مزيداً من الضغوط على إيران فيما يخص برنامجها النووي، فرغم نهجه الواضح في السياسة الخارجية، والتي تميل عادة للحلول الدبلوماسية، إلا إنه يؤخذ عليه أيضاً تأييده للحلول العسكرية في بعض الأحيان، إذ أيد بلينكن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، كما أنه دعم التدخل العسكري الأمريكي في سوريا وليبيا، والعملية العسكرية السعودية ضد الحوثيين في اليمن، وهو مايعني أنه قد لا يستبعد الحلول العسكرية عن إيران، فيما لو استمرت في التصعيد العسكري ضد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

ينظر بلينكن إلى إيران على أنها تشكل حالة عدم استقرار في الشرق الأوسط، وما زاد من حالة عدم الاستقرار، هو انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي حسب رأيه، إذ يعتقد بلينكن بأن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، أدى لنتائج عكسية على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ومن ثم لابد من إعادة النظر في الموقف الأمريكي من الاتفاق النووي، واعتماد نهج استراتيجي أكثر فاعلية، يولي التحالفات الدولية أهمية قصوى، إذ يعتبر بلينكن أن التحالف ضد إيران، لا يقل أهمية عن التحالف ضد الصين.

تحديات تقف في وجه وزير الخارجية الجديد أشدها خوفا إقدام ترامب على حرق الأرضية التي سيبدأ منها التحرك الوزير الجديد

يواجه بلينكن جملة من التحديات التي ستعترض عمله على رأس وزارة الخارجية، وتحديداً عند التعاطي مع الملف الإيراني، وهذه التحديات نابعة من استحقاقات دولية متعددة، وفي هذا الإطار يمكن القول؛ إن بلينكن سيكون خاضعاً لظروف سياسية حساسة لم يواجهها أي وزير خارجية في الإدارات الأمريكية السابقة ومنها:

  1. تبرز أولى هذه التحديات من احتمالية التصعيد العسكري الذي من الممكن أن تقدم عليه إدارة ترامب حيال إيران في الأيام المقبلة، فالتحشيد العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي، وعملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، فضلاً عن الهجمات التي تقوم بها إسرائيل على المليشيات الإيرانية في سوريا، قد تراكم الأزمات في وجه الوزير الجديد، خصوصاً إذا ما أقدمت إيران على التصعيد المقابل.
  2. المتغيرات الجديدة في الشرق الأوسط، وذات العلاقة المباشرة بالسلوك الإيراني، والتي يأتي في مقدمتها بروز الفصائل الولائية في العراق، تطبيق قانون قيصر في سوريا، اتفاق السلام بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية، مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، التطبيع الخليجي الإسرائيلي، وهي كلها استحقاقات جاءت كنتيجة لإنسحاب إدارة ترامب من الإتفاق النووي مع إيران في مايو 2018، ومن ثم كيف سيتعاطى بلينكن مع جملة هذه المتغيرات.
  3. رغم تأييد بلينكن المطلق لدعم أمن إسرائيل وتفوقها العسكري، إلا إنه من جهة أخرى؛ يؤيد العودة للاتفاق النووي مع إيران، وفي ذلك مشكلة كبيرة سيواجهها في هذا الإطار، وهي كيفية الموازنة بين ضرورات إسرائيل الأمنية، وبين التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران بشأن برنامجها النووي والصاروخي، والذي تعتبره إسرائيل مهدداً وجودياً لها.
  4. تشكل المملكة العربية السعودية المصدة الاستراتيجية في مواجهة الدور الإيراني في منطقة الخليج العربي، وتحديداً عندما يتعلق الأمر بالبحرين واليمن، ومن جهة أخرى؛ عبر بايدن أنه سيكون بصدد إعادة تقييم العلاقة مع المملكة بعد تسلمه لمقاليد الحكم في البيت الأبيض، وفيما لو سارت إدارة بايدن في إطار إعادة النظر في طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية مستقبلاً، فإن هذا الوضع ستكون له تداعيات خطيرة على طبيعة التوازن الاستراتيجي في الخليج العربي، وهنا تطرح إشكالية أخرى في وجه الوزير الجديد، وهي التوازن مابين نفوذ إيران وأمن السعودية.

بلينكن وتحديات الإدارة الأمريكية وإيران

تشكل عملية إدارة السياسة الداخلية في المرحلة المقبلة، ملفاً لا يقل أهمية عن التحديات الخارجية المذكورة أعلاه، وفي هذا الإطار يمكن القول، بأن بلينكن سيواجه بيئة سياسية أمريكية معقدة خلال إدارة بايدن، والتي قد تعقد الكثير من توجهاته حيال إيران، ومن أبرز هذه التحديات الداخلية:

  1. لا زال هناك تيار سياسي وأمني واسع داخل الإدارة الأمريكية والبنتاغون (تحالف السلاح والتكنولوجيا والمال)، يعارض الحديث مرة أخرى مع إيران بخصوص الاتفاق النووي، ويعتبر بأن إيران لم تكن جادة في الإلتزام ببنود الإتفاق، وما يدلل على ذلك، هو ارتفاع مستويات تخصيب اليورانيوم في مفاعل نطنز وفرودو النووي، كما أن التحدي الآخر، يتمثل في سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ الأمريكي، وهي سيطرة قد تعرقل الكثير من جهود بلينكن فيما لو قرر طلب رفع بعض أو كل العقوبات المفروضة على إيران، بسبب برنامجها النووي، كإجراء أولي قبل الانخراط في المفاوضات المباشرة مع إيران من جديد.
  2. موقف بايدن نفسه من الاتفاق النووي مع إيران، هل يرغب في العودة إلى الإتفاق النووي الذي وقع مع إيران في نيسان | إبريل 2015، أم الحديث عن اتفاق نووي جديد، أكثر أهمية وقيمة وتأثير، ورغم كون بلينكن أحد مهندسي الاتفاق النووي مع إيران، إلا أنه يعتقد بأن جعل الإتفاق القديم كأساس يتم البناء عليه في إتفاق جديد مع إيران، يتناول برنامجها الصاروخي وسلوكها الإقليمي، قد يشكل توجهاً أكثر فعالية، وهو ما يصطدم مع تعنت إيراني، بعدم الحديث عن أي اتفاق نووي، قبل رفع كامل للعقوبات وتعويضات عن الخسائر الكبيرة التي لحقت إيران، جراء فرض العقوبات المشددة على إيران بعد الإنسحاب من الإتفاق النووي، وهو مايرفضه بلينكن في المقابل.
  3. أعلن بايدن بأنه سيكون حريص على العودة للاتفاق النووي مع إيران، فيما لو عادت إيران للإلتزام بتعهداتها المنصوص عليها في الاتفاق، وهو ما رفضه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، حيث قال “إذا أرادت الإدارة الأمريكية الجديدة أن تصبح عضواً في الاتفاق النووي الذي أعلن ترامب خروج بلاده منه، فنحن مستعدون لإجراء محادثات حول كيفية عودتها إلى الاتفاق”، وأضاف: “إذا أوفت الولايات المتحدة بالتزاماتها بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2231، فنحن أيضاً سنفي بالتزاماتنا المترتبة بموجب الاتفاق النووي، ليست هناك حاجة للمفاوضات أو أي شروط لذلك (لإنهاء العقوبات)”.[1]

إجمالاً سيسعى بلينكن إلى صياغة نهج استراتيجي جديد للولايات المتحدة حيال إيران، كما أنه سيرسم خارطة طريق جديدة، توازن مابين التحديات الإيرانية والضرورات الأمريكية، بذات الشكل الذي كان يطمح إليه بايدن خلال فترة تواجده في إدارة أوباما، مع إعطاء الواقعية السياسية هامشاً واضحاً في نهجه الجديد، لأن الظروف السياسية اليوم، تختلف عن السابق، وهو مايجعله أمام تحديات كبيرة لإمكانية نجاحه خلال الفترة المقبلة.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق